أركض… إذن أنا موجود
الكاتب هانى الميهى
لم أكن أحتاج إلى سبب واضح لأركض…
كان الركض في حد ذاته سببًا كافيًا.
كلما شعرت بالفراغ،
بحثت عن شيء أفعله.
أي شيء…
المهم ألا أبقى ساكنًا.
السكون كان مرعبًا.
ليس لأنه مؤلم،
بل لأنه صادق.
كنت أربط وجودي بما أفعله،
لا بما أنا عليه.
إذا أنجزت… أنا جيد.
إذا توقفت… أنا لا شيء.
معادلة بسيطة،
لكنها كانت قاسية بما يكفي لتتحكم في كل قراراتي.
لم أكن ألاحظ ذلك في البداية.
كنت أظن أنني شخص “مجتهد”،
شخص “طموح”،
شخص “لا يضيع وقته”.
لكن الحقيقة…
أنني لم أكن أتحمل نفسي دون حركة.
كنت أخاف أن أجلس…
لأن الجلوس يعني أن أرى.
وأنا لم أكن مستعدًا للرؤية.
كنت أملأ يومي بالكامل.
مهام، مواعيد، التزامات،
حتى اللحظات التي يُفترض أن تكون راحة…
كنت أحوّلها إلى شيء يجب استغلاله.
كأن الراحة نفسها…
تهمة.
وفي كل مرة أنتهي من شيء،
لا أشعر بالرضا…
بل أشعر بحاجة إلى المزيد.
ليس لأنني أريد،
بل لأنني لا أستطيع التوقف.
الإنجاز لم يكن نهاية،
كان مجرد محطة…
لركض جديد.
الغريب أنني لم أكن أستمتع.
نعم… كنت أحقق أشياء،
لكنني لم أشعر بها.
كل إنجاز كان يمر بسرعة،
كأنه لا يخصني.
أضع علامة ✔…
وأنتقل فورًا إلى التالي.
كأنني آلة…
تعمل بلا إحساس.
وفي داخلي،
كان هناك صوت خافت يسأل:
“لماذا؟”
لكن هذا الصوت…
لم يكن مناسبًا لسرعتي.
فكنت أتجاهله.
كنت أظن أن التوقف ضعف.
أن من يهدأ… يخسر.
أن من يبطئ… يُستبدل.
هذه الأفكار لم تأتِ من فراغ،
بل من عالم يُكافئ السرعة،
ويحتفي بمن يصل أولًا…
حتى لو لم يكن يعرف إلى أين.
كنت أرى الناس من حولي،
وأشعر أن الجميع يسبقني.
حتى من لم أكن أعرفهم،
كنت أقارن نفسي بهم.
وكأن هناك سباقًا عالميًا،
وأنا فيه… دون دعوة.
في لحظة ما،
تحوّل الركض إلى هوية.
لم أعد أقول: “أنا أعمل”…
بل أصبحت: “أنا الذي لا يتوقف.”
وهذا… كان خطيرًا.
لأنك حين تبني هويتك على الحركة،
تصبح عاجزًا عن التوقف…
حتى لو كنت بحاجة إليه.
كنت أهرب من أي لحظة فراغ.
أمسك الهاتف،
أفتح شيئًا،
أشغل نفسي بأي ضجيج.
المهم ألا أسمع…
نفسي.
وفي كل مرة كنت أقترب من السكون،
كان داخلي يرتبك.
أشعر بعدم الراحة،
بتوتر غريب،
كأنني أفعل شيئًا خاطئًا.
مع أنني…
لم أكن أفعل شيئًا أصلًا.
لم أفهم وقتها،
أن المشكلة لم تكن في السكون،
بل في ما يكشفه السكون.
كنت أخاف أن أكتشف
أن كل هذا الركض…
لم يكن ضروريًا.
كنت أحتاج أن أشعر أنني “مهم”.
أن وجودي له قيمة.
لكن بدل أن أبحث عن هذه القيمة داخلي،
حاولت أن أستخرجها من الخارج…
من الإنجاز، من الانشغال، من الحركة.
وكلما زاد اعتمادي على ذلك،
زادت هشاشتي.
لأن أي لحظة توقف…
كانت تهدد كل شيء.
في أحد الأيام،
توقفت فجأة.
ليس قرارًا واعيًا،
بل شيء حدث رغماً عني.
انتهى كل شيء حولي…
المهام، الضجيج، الانشغال.
وبقيت أنا…
فقط أنا.
لم أعرف ماذا أفعل.
شعرت بارتباك،
كأنني فقدت شيئًا مهمًا.
لكنني لم أفقد شيئًا…
أنا فقط لم أعد أركض.
وهنا،
بدأت ألاحظ شيئًا لم أره من قبل.
أنني طوال الوقت…
لم أكن أعيش.
كنت فقط…
أملأ الوقت.
وهناك فرق كبير…
بين أن تعيش،
وأن تستهلك الوقت.
بدأت أرى أيامي بشكل مختلف.
كم من الأشياء فعلتها…
دون أن أشعر بها؟
كم من اللحظات مرّت…
وأنا غائب؟
كم من الوقت ضاع…
ليس لأنني كنت بلا عمل،
بل لأنني كنت بلا حضور؟
كان إدراكًا ثقيلًا.
لأنك حين تكتشف أنك كنت حاضرًا بالجسد فقط،
وغائبًا بكل شيء آخر…
تعرف أن المشكلة أعمق مما كنت تظن.
لم يكن الركض هو المشكلة…
بل السبب وراءه.
لم أكن أركض لأصل،
بل لأثبت أنني موجود.
وهنا فقط…
فهمت الجملة التي كنت أعيش بها دون وعي:
أركض… إذن أنا موجود.
لكن السؤال الذي لم أجرؤ على مواجهته كان:
ماذا لو توقفت؟
هل أختفي؟
لم أكن أملك الشجاعة للإجابة.
لكنني بدأت أشك…
أن الإجابة قد تغيّر كل شيء.
رسالة الفصل:
حين تربط وجودك بالحركة…
تصبح أسيرًا لها،
وتفقد نفسك في كل مرة تتوقف فيها.
تمهيد الفصل القادم:
لكن الحقيقة لم تكن في الركض نفسه…
بل في القوة الخفية التي كانت تدفعني إليه،
قوة لم أكن أراها…
لكنها كانت تتحكم في كل خطوة.






المزيد
-سَــأُريك من أنــا بقلــم شــاهينـــاز مـحمــد
هذه رحلتي وعدت بقلم مريم الرفاعي
عطر القلوب بقلم فلاح كريم احمد