كانوا يرون جبلًا
الكاتب هانى الميهى
من كتاب كل هذه القوة تجعلنى أختنق
الفصل السادس
لم يكن أحد يسأله إن كان متعبًا. لم يكن ذلك لأن الناس لا يحبونه، بل لأنهم كانوا يرونه أقوى من التعب نفسه. كانوا يأتون إليه حين تضيق بهم الحياة، ويغادرون وهم أكثر اطمئنانًا، ثم يتركونه وحده، وكأن الذى يستطيع أن يحمل أوجاع الآخرين لا يحق له أن يحمل وجعه.
من الغريب أن الصورة التى ينجح الإنسان فى رسمها عن نفسه، قد تتحول مع الوقت إلى سجن لا يستطيع الخروج منه. ففى البداية، يتماسك حتى لا يقلق من يحبهم، ثم يعتاد التماسك، ثم يعتاده الناس منه، حتى يصبح ضعفه حدثًا غير متوقع، بل غير مقبول.
كانوا يرون وجهًا هادئًا، ولم يروا الليالى التى سبقت ذلك الهدوء. كانوا يسمعون صوته ثابتًا، ولم يسمعوا الحوار الذى كان يدور داخله قبل أن ينطق بأى كلمة. كانوا يظنون أن الصمت دليل راحة، بينما كان الصمت فى كثير من الأحيان آخر ما تبقى له من قدرة على الاحتمال.
ليس كل من بدا صلبًا كان مطمئنًا. فبعض الصخور تخفى فى داخلها شقوقًا لا تظهر إلا إذا اقتربت منها كثيرًا. وكذلك الإنسان، قد ينجح سنوات فى إخفاء ما يؤلمه، حتى يظن الجميع أن الألم لا يعرف طريقه إليه، بينما الحقيقة أن الألم عرفه أكثر مما عرف غيره، لكنه تعلم أن يعيش معه دون أن يلفت الأنظار.
هناك ظلم لا يصنعه الأعداء، بل تصنعه الصور الثابتة. عندما يراك الناس دائمًا قويًا، ينسون أنك تحتاج إلى من يسألك. وعندما يراك الجميع قادرًا على الاحتمال، يتوقفون عن التفكير فى أن للاحتمال حدودًا. وهكذا، لا يتركك أحد لأنهم لا يحبونك، بل لأنهم يعتقدون أنك لا تحتاج إليهم.
ومع مرور الوقت، يبدأ الإنسان فى الدفاع عن الصورة التى صنعها الآخرون له. يخشى أن يخذل توقعاتهم، فيبتسم وهو متعب، ويطمئنهم وهو خائف، ويقول إنه بخير وهو يتمنى أن يسأله أحد للمرة الثانية: “هل أنت بخير حقًا؟”
ولعل أقسى ما فى الأمر أن الإنسان قد ينجح فى خداع الجميع، ثم يكتشف متأخرًا أنه خدع نفسه أيضًا. فيصبح أسيرًا للدور الذى أداه طويلًا، ويشعر أن الرجوع إلى طبيعته الأولى يحتاج إلى شجاعة أكبر من تلك التى احتاجها ليبدو قويًا.
لم يكونوا مخطئين حين رأوا جبلًا. كانوا مخطئين فقط لأنهم ظنوا أن الجبال لا تتعب. نسوا أن الجبل، مهما بدا ثابتًا، يحمل فى داخله ضغوطًا هائلة، وأن انهياره لا يبدأ من سطحه، بل من أعماقه التى لا يراها أحد.
وربما ليست المشكلة أن الناس أخطأوا فى فهمه، بل أنه ظل سنوات يساعدهم على هذا الفهم، حتى أصبحت صورته فى أعينهم أقوى من حقيقته.
رسالة الفصل
أخطر الأقنعة ليست تلك التى نرتديها كذبًا، بل تلك التى نرتديها طويلًا حتى يصدقها الجميع… ونكاد نصدقها نحن أيضًا.
تمهيد الفصل القادم
وراء كل هذا الصمت، وكل هذا التماسك، كان هناك سر آخر لم يفهمه أحد…
لم يكن يشعر أكثر من الآخرين… بل كان يشعر بكل شىء.
الفصل السابع: كنت أشعر بكل شىء.






المزيد
حين تتوقف عن الهروب من نفسك الكاتب بقلم هاني الميهي
حين لا يهدأ العالم وتتعلم النفس أن تعيش بقلم الكاتب هاني الميهي
مُحاكمة بقلم رؤى خالد محمد.