الحلقة الرابعة: البيت الذي يراه كلٌّ منهما مختلفًا
الكاتب : هاني الميهى
ما لم نتفق عليه
لم تكن الغرفة التي اختارتها أم كريم سيئة، بل كانت أجمل مما توقعا؛ خشبها متين، ولونها هادئ، وسعرها أقل من أسعار المعارض التي زاراها. وحين أرسل كريم صورتها إلى سلمى، لم تجد سببًا واضحًا لرفضها، لكنها لم تستطع أيضًا أن تشعر بالحماس الذي كان ينتظره منها.
كان قد وعد أمه بالاتصال في الصباح، وظل طوال الليل يفكر في الطريقة التي سيخبرها بها أنه لم يحسم أمره بعد. لم تكن المسألة مجرد غرفة نوم، كما لم تكن مجرد وعد يمكن التراجع عنه بكلمات مهذبة. كانت أمه قد بذلت جهدًا لتساعده، وكان يخشى أن يبدو رفضه تقليلًا من شأنها، أو أن تشعر بأن وجود سلمى في حياته بدأ يغيّر مكانتها.
أما سلمى، فكانت تنظر إلى الصورة بعين مختلفة. لم تكن تريد غرفة أغلى، ولم يكن لديها اعتراض على الاستفادة من خبرة أمه أو علاقاتها. كل ما أزعجها أن الأمر بدأ باتصال لم تشارك فيه، وانتهى بوعد لم توافق عليه، ثم أصبحت مطالبة بإبداء رأيها في قرار بدا كأنه اتُّخذ بالفعل.
في المساء، التقيا في أحد المعارض الصغيرة لمعاينة بعض القطع التي كانا قد اختاراها معًا. لاحظ كريم أنها أقل كلامًا من المعتاد، فسألها إن كانت لا تزال منزعجة من موضوع الغرفة.
قالت:
— لست منزعجة من الغرفة. أنا فقط أحاول أن أفهم متى يصبح البيت بيتنا فعلًا.
لم يجب سريعًا. كان يعرف أنها لا تقصد الجدران والأثاث، لكنه شعر أن السؤال يضعه أمام اتهام لا يراه منصفًا.
قال:
— أمي لم تفعل شيئًا سيئًا. أرادت أن تساعدنا، ووجدت فرصة مناسبة، ولا أرى سببًا يجعلنا نحول الأمر إلى مشكلة.
— وأنا لم أقل إنها فعلت شيئًا سيئًا. لكنك أخبرتها أنك ستتصل لإتمام الاتفاق قبل أن تسألني. لو كنت أنا من وعد أحدًا بشراء شيء لبيتنا، ثم أخبرتك بعد ذلك، هل كنت ستعدّ الأمر طبيعيًا؟
بدا عليه الضيق، لا لأن السؤال بلا إجابة، بل لأنه يعرف أن إجابته لن تكون مريحة.
قال بعد لحظة:
— ربما كنت سأشعر أنك لم تمنحيني فرصة للمشاركة.
ابتسمت سلمى ابتسامة قصيرة، خالية من الانتصار.
— هذا كل ما أحاول أن أقوله.
لم يكن كريم مقتنعًا بأن كل قرار صغير يحتاج إلى نقاش طويل. كان يخشى أن تتحول الحياة بينهما إلى سلسلة من المراجعات التي تستنزف الوقت والراحة، وأن يفقدا عفوية التصرف تحت ضغط الحرص الدائم على التوافق. بالنسبة إليه، كانت بعض المبادرات دليلًا على الاهتمام، ولم يتخيل أن المبادرة نفسها قد تُشعر الطرف الآخر بأنه خارج الصورة.
أما سلمى، فلم تكن تريد استئذانًا في كل تفصيل، بل أرادت أن تعرف أن رأيها حاضر قبل أن يصبح التراجع عنه محرجًا. كانت تدرك أن الحياة لا تسمح دائمًا بمناقشة كل شيء، لكنها تعرف أيضًا أن القرارات الصغيرة، حين تتكرر في اتجاه واحد، تصنع في النهاية شكل العلاقة.
تابعا جولتهما داخل المعرض. توقفت سلمى أمام طاولة خشبية بسيطة، وأعجبتها رغم أنها لم تكن من النوع الذي بحثا عنه في البداية. اقترب كريم منها، وسألها عن سعرها، ثم قال إنهما يستطيعان شراءها الآن وتأجيل بعض القطع الأخرى.
هذه المرة لم يتصل بأمه، ولم يرسل صورة إلى أحد. نظر إلى سلمى منتظرًا رأيها، فشعرت بشيء من الارتياح لم يكن متعلقًا بالطاولة نفسها.
قالت:
— تعجبني، لكنني أفضل أن نراجع الميزانية أولًا.
أعاد كريم النظر إلى السعر، ثم أخرج هاتفه وفتح القائمة التي أعدّاها معًا. لم يكن التصرف كبيرًا، لكنه شعر أنه أبطأ قليلًا من عادته، وكأن المشاركة تفرض عليه أن يترك مساحة بين الفكرة وتنفيذها.
وفي طريق العودة، أخبرها أنه سيتحدث إلى أمه، ويوضح لها أنهما لم يحسما اختيار الغرفة بعد. لم تطلب منه سلمى أن يعتذر لها، ولم تقل له إنه أخطأ. اكتفت بأن تشكره لأنه أخبرها بما سيفعله قبل أن يفعله.
لكن المكالمة لم تسر كما توقع.
حين أخبر أمه بأنهما ما زالا يفكران في الأمر، صمتت قليلًا، ثم قالت إنها لم تكن تقصد التدخل، وإنها أرادت فقط أن تخفف عنهما التكاليف. وأضافت أنها لا تفهم لماذا أصبح كل شيء يحتاج إلى اتفاق، بعدما كانت الأسرة في الماضي تتعاون دون أن يحسب أحد كلماته.
لم يجد كريم ما يقوله. كان يعرف أن في كلامها جانبًا من الحقيقة؛ فقد تحملت أمه كثيرًا من أجل الأسرة، ولم تكن ترى المساعدة تدخلًا، بل واجبًا من واجبات المحبة. لكنه بدأ يفهم أن ما يبدو لها تعاونًا طبيعيًا قد يبدو لسلمى قرارًا يخص حياتها اتُّخذ دونها.
قال لها إنه يقدّر ما فعلته، وإنه لم يرفض مساعدتها، لكنه يريد أن يختار مع سلمى ما يناسبهما.
لم تجادله أمه. أنهت المكالمة بعبارة مقتضبة، ثم تركته يحدق في شاشة هاتفه، شاعراً بأنه جرح شخصًا لم يقصد جرحه، وأنه لم ينجح حتى الآن في إرضاء أحد.
في اليوم التالي، اتصلت سلمى به لتسأله إن كان قد تحدث إلى أمه. أخبرها بما حدث، ثم قال إنه يشعر بأنه عالق بين رغبتين لا يريد التخلي عن أي منهما: أن يكون ابنًا بارًّا، وأن يكون شريكًا حقيقيًا في حياته الجديدة.
أجابته سلمى بعد صمت:
— لا أريدك أن تختار بيني وبين أمك. أريد فقط ألا يصبح إرضاء أحدنا سببًا في تجاهل الآخر.
كانت تلك أول مرة يشعر فيها أن الخلاف لا يتعلق بمن يملك الحق في القرار، بل بكيفية توزيع أثره على الجميع. ومع ذلك، لم يكن الفهم كافيًا لحل المشكلة؛ فقد عرف الآن ما يزعجهما، لكنه لم يعرف بعد كيف يضع حدودًا لا تتحول إلى جدران.
وفي نهاية الأسبوع، زار كريم أمه وحده. وجدها قد أخرجت كتالوج الغرفة التي اختارتها، ووضعتها على الطاولة أمامه. لم ترفع صوتها، ولم تلمّح إلى سلمى بسوء، لكنها قالت وهي ترتب الأوراق:
— كنت أظن أنني أساعدك في بداية حياتك، لا أنني أحتاج إلى إذن كي أساعدك.
أراد أن يشرح لها أن الأمر لا يتعلق بالإذن، لكنه أدرك أن الكلمات التي تبدو واضحة في ذهنه قد تصل إليها بمعنى آخر تمامًا.
جلس إلى جوارها، وأمسك الكتالوج، ثم أعاده إلى الطاولة دون أن يفتحه.
في تلك اللحظة، فهم أن بناء البيت لن يبدأ يوم يحملان الأثاث إلى الشقة، بل يوم يتعلم كل طرف أن المحبة لا تمنحه حق اتخاذ القرار نيابة عن الآخر.
لكنه لم يكن يعرف بعد كيف سيشرح ذلك لأمه دون أن تشعر بأنها تخسر ابنها، ولا كيف سيطمئن سلمى إلى أنها لن تضطر في كل مرة إلى الدفاع عن مكانها.
وكان هناك سؤال آخر ينتظرهما، أكثر حساسية من اختيار الأثاث وتقسيم النفقات: إذا كان لكلٍّ منهما حق في رسم حدود حياته، فأين تنتهي حدود الأسرة التي جاء منها، وأين تبدأ حدود الأسرة التي يحاولان بناءها معًا؟






المزيد
مُعَلَّقَةُ الرَّحِيل بقلم سمية عمر عكاشة
ستعود الأيام، رغم ثقلها بقلم خيرة عبدالكريم
في آب يُولد الحب بقلم رؤى خالد محمد