مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

31 آذار 2026: “وداعٌ بلا وداع.. سفر أبي خليل” بقلم بلال حسان الحمداني 

31 آذار 2026: “وداعٌ بلا وداع.. سفر أبي خليل”

بقلم بلال حسان الحمداني 

 

كان صباحاً حمل رؤية رأيتني فيها في بيت عمي الذي كنت أقيم فيه، ومعنا العم أبو خليل في جمع وفير كما هو بيت عمي الذي كان مسرح الذكريات وجلسات السمر التي يضمها دوماً. حينما أفقت علمت تأويلها؛ أن أبا خليل اليوم ميعاد سفره. فها هو آذار يأبى في آخر يوم فيه إلا أن تعصف بنا رياحه بفراق العم أبي خليل؛ هذا الرجل الفراتي الأصيل، طويل العماد، كثير الرماد، صاحب الكف التي لا تعرف للمال حرمة، وصاحب النفس التي تحمل في داخلها نفساً فراتية أصيلة بشيمتها التي تأبى إلا أن تقف مع كل مظلوم، ويدٍ إلا أن تشمر عن سواعد العطاء لكل محتاج.

 

فقد كان أبو خليل هكذا، لا ينتظر من أحد أن يناديه حينما تلم به ملمة، بل يقدم نفسه وماله لفعل الخير. لعمري إنه لم يتغير ولم تدنسه الغربة أو تغيره، فظل يحمل في داخله طباعاً فراتية أصيلة وليدة كرم وجود ونخوة وشهامة، فهو من بقية جيل الطيبين أهل الأصالة والكرم. وكنت أعجب منه؛ وإن كان بكرمه الفياض ونفسه المعطاءة قد جلب له ما ذكرتُ البلاء لنفسه في مجتمع يقابل الكرم بالخذلان، وكنت وإياه نضحك على هذه الصفة المشتركة بيننا لما حل علينا من بلاء. جمعتنا سنون طويلة في جلسات سمر لا تنتهي حتى الصباح، وغدا كواحد منا لا يُرى إلا في بيتنا أو نُرى في بيته.

 

كان ذا طيبة مبالغاً فيها، ونقاء لا يشوبه ضغينة، وصفاء لا يشوبه كدر، ونقاء لا يخالطه دنس، وعفوية لا تعرف التصنع؛ فتراه بسجيته يحدثك الساعات بعفوية منقطعة النظير دون تكلف، ونفس معطاءة حانية على أهله وأقربائه وإن كان ذلك آل به إلى الظلم. كان نعم الصاحب لمن صاحبه، فترى فعاله تسبق أقواله. له شيمة تأبى إلا أن تكون بكل ما أوتي من خصال حسنة إلا أن يكون صاحباً بحق، وله عليّ بالذات أيادٍ بيضاء لا أستطيع إيفاءها؛ إذ وقف معي وقفة رجال أيام محني وسقطاتي التي هويت بها، فمد لي يده حينما لم أجد يداً تمتد.

 

ها هو الآن مضى دون وداع، فلم يتسنَّ لي وداعه لأني أسير امتحانات الجامعة. وها أنا من جديد تعصف بي ريح الفراق وتصفعني صفعة مؤلمة، فأراني من جديد مهيض الجناح أمام كل فراق، ولا شيء يكسر جفوني وأجنحتي كالفراق. الآن أستدعي كل ذكرياتنا وأفكر حينما أزور بيت عمي وأرى مكانه خالياً، وأشتاق لتلك الجلسات التي كان يتصدرها بمزاحه وحسه الفكاهي؛ فهناك في بيت عمي الذي أقمت به لثلاث سنوات أخالها أزهى سنواتي رغم كل ما عصف بي من أحزان، لكن بساطة وطيب كل من جاورنا هناك وعرفنا وأحببنا كانت تشعرني بجمال الكون، وأن الدنيا ما تزال بخير بأمثال هؤلاء.

 

غفر الله لك يا أبا خليل.. مع السلامة يا حبيبي وفي أمان الله.