مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

يون وفلوبير – الكاتبة سيّدة مالك

عنوان النص :- يون وفلوبير
بقلم :- سيّدة مالك
.
.

لا يا صديقي ليس لأن لون القمر قد تغيّر ، و رائحة الأزهار البعيدة صارت لا تطاق ، فذلك غُلام الحيّ الذي يبيعُ النعناع حتى إذا ما مررنا به همَّ يضحك ، ولا أظنُّ الطيور المقلوبة على ظهورها هي السبب ولكني جفلت هذا الصباح من وفرةِ الاتصال الكاذب ، والكلام لمجرّد ملء الهواء .
لم يكن كافيًا أن أُحبَّ تناول العنب في الصباح .
وليس من الغرابة لديَّ أن أرى شخصًا يأكل الشجر في الخارج ، فالخارج يلوذ بالأشياء التي لا نتوقع حدوثها نحن الذين أفرطنا في تخيُّل مثالية الإنسَان .
لكنّي لا أريدُ أن أشاهد فلوبير بساقهِ العرجاء والألم الذي لم يُشفى منهُ وأشدُّ عيني بالنظر المُطوَّل إلى لسانه الأحمر وهو يثرثر وينفث اللعاب ، بينما هو يُفكِّر في قضم أظافرهِ وينظر إليّ كمن ينظرُ إلى نفسهِ في الماء ، أشاهدهُ يُبعثُ كل صباح من موتهِ ، وحيدًا يخور من الجوع يبحثُ عن المعنى في أكل العنب وإلقاء الطعام للحيوانات .
ويُهاتف أخيه حتى يستردّ منه رسائل مدوّية كتبتها أُمُهما إليهما على مضض .
ولأنه ما من أحدٍ سيخلعُ مِقبض الباب ويأتي ليصفع فلوبير حتى يفيق من وهمهِ .
فكان علينا أن نجلس معًا في هذا البيت ونراقب الهواء وهو يثور من حولنا ويرطم النوافذ محاولًا أن يفتح الطريق أمامنا كي نُغادر ، كان الهواء دون قصد يدفعني كي أتحرّر .
لكنّي ومع صياح الدِّيك وعلوّ الضوء في السماء كنتُ امتثل لشيءٍ شديد الخصوصية والعذوبة قصصتُ شعري وصبغتهُ باللون الأحمر .
ولمّا خرجتُ كي أبتاع شيئًا للغداء ، ورأتني جارتي تهلل صوتها وصدحت كمن رأى أحد الملائكة وهو يمرُّ من بابهِ .
كنتُ أعلم أن يان امرأة وحيدة وتحبُّ أن تُشاهد الناس وتسمع الموسيقى .
نادت عليَّ بصوتٍ عالٍ وبعيد مثل أبطال السينما فلم أستجيب .
وعندما مَسَّدَت يدها ( الصغيرة التي تقلّص وزنها لأن السنوات قضمت منها اللحم والدُّهن ) كتفي التفتُّ إليها وكأن نجمةً اصطدمت بي في نومي .
قالت : أولم تسمعي يا يون ، أنا أُنادي عليك منذُ عشر دقائق كاملة دون أن أتوقّف .
قلتُ : دقيقة هل أنا يون حقًا .
قالت : بلى أنتِ يون ، وتسكنين هنا منذ سنوات .
قلتُ : هل أعيشُ حقًا هنا .
حملتُ الأكياس ومشيتُ طويلًا حتّى تجاوزتُ أقدام كلبنا الجاثم أمام المنزل .

وعندما فتح فلوبير الباب كان يرتدي قميصًا أصفر ويضعُ عطرًا برائحةِ الليمون
مشهدهُ جعلني أبكي طويلًا حتّى أنه أخذ يُقلّدُني ، ثم راحَ يمصُّ إبهامهُ مثل الأطفال .
صوتهُ الطفولي جعلني أُفكِّر في إطلاق رصاصةٍ من بندقية الصيد باتجاه رأسي .
لماذا يحدثُ كل هذا العناء ، صوتهُ مثل شيءٍ بشع ودافئ .
شيءٍ مثل قُرص الشمس ونبات الهندباء .
جلستُ إلى الطاولة التي أمامنا ومددتُ أقدامي للأمام ، دون أن أخلع حذائي نظرتُ إلى فلوبير ، دون أن أشفق عليهِ ، دون أن أكرهه كذلك .
أخرجت الخبز الذي أحضرتهُ وقطّعتهُ قِطعًا صغيرة ، ملأ الخبز الطاولة .
نهضت وشربت الشاي وعندما نظرت كان فلوبير ينظر إليَّ وما زال إبهامهُ بين شفتيهِ .
علمتُ في تلك الظهيرة وعندما رمت الشمس طائرًا في طريقهِ إلى عُشّه ليصطدم بالنافذة الخاصة بِنا مُحدثًا فوضى لم تخدش سكون اللحظة ، في تلك الساعة تحديدًا والساعات التي تلتها وهي تحمل معها مشهد بقعة الدم وهي تسقط باتجاه بنطال فلوبير ذي رائحةِ الليمون ، علمتُ دون أن أطوي هذه الذكرى أني حقًّا أكنُّ لهُ الحُب ، حُبُّ الزوجين
وحبُّ الأمومة ، شيءٌ بيني وبينهُ نُقرُّ به وحدنا ، وتقرُّ به السماء الطازجة فوقنا وهو شديد الخصوصية .