كتبت: هاجر حسن
مع بزوغ نور الفجر الذي يشع في السماء، وتسلسل أولى خيوط أشعة الشمس عبر الأفق، حلقت قطرة الندى بمظلتها فوق غابة صغيرة كثيفة الأشجار. تتمايل الرياح مع أوراق الشجر على إيقاع النسيم، وتتعالى ألحان صوت زقزقة الطيور معلنة بداية يوم جديد.
هبطت قطرة الندى برفق على أحد أجنحة هدهد يقف على غصن شجرة عالية بالغابة، ومن حولها ترى أشجار عالية تحتضن السماء بأغصانها، أوراقها نضرة تشع باللون الأخضر الزاهي وارتفاعها يشعرك بأنها تلامس السحاب.
قالت قطرة الندى بإعجاب: “يا إلهي، ما أجمل هذه الغابة!” لكن تأملها قطع بصوت الهدهد الذي تقف على أجنحته، يحدث نفسه وهو يتأمل ضوء الفجر بعيون تلمع بالأمل وقلب ينبض بالحيوية، قائلًا: “حان وقت الذهاب للبحث عن الطعام يا زقزوق.”
بخفة ورشاقة، فرد أجنحته وانطلق نحو أرض الغابة، مباشرًا رحلته اليومية في البحث عن الطعام.
في الشجرة المجاورة لشجرة زقزوق استيقظ نغم؛ الطائر الكناري ذو الأجنحة المزركشة بألوان خلابة، وصوته العذب الذي يسعد جميع طيور وحيوانات الغابة.
مع اختراق أشعة الشمس لعشه الصغير، نهض مرتبًا فراشه، واستعد لرحلة جديدة في البحث عن الطعام.
على أرض الغابة بدأ زقزوق يمشي بخطوات متأنية، عيناه تبحثان عن الطعام. فالتقى بالطائر الكناري نغم، تبادل التحية ثم قال نغم: “ما الأخبار اليوم يا زقزوق هل وجدت أي طعام؟” ليجيب زقزوق: “لا يا صديقي، أظن اليوم ستكون رحلة البحث عن الطعام شاقة، فأنني منذ بزوغ الفجر لم أجد إلي الآن أي غذاء.” قال له نغم: “إذن هيا نتعاون ونبحث سويا ونساعد بعضنا البعض.” فأجاب زقزوق: “فكرة جيدة، هيا بنا يا نغم.”
تحمست قطرة الندى وهي تسمع حوارهما، وشعرت أن رحلة اليوم على الأرض ستكون مليئة بالمفاجآت .
بدأ نغم وزقزوق في البحث في الغابة عن مصدر طعام ليومهم حتى هلل نغم فرحٍ، وقال: “انظر يا زقزوق هناك، يوجد طعام كثير مما نفضله تحت هذه الشجرة.” فرح زقزوق كثيرًا، ثم بدأ هو ونغم بالتعاون مع بعضهم البعض في حمل الطعام، حتى علا صوت طائرٍ صغيرٍ يبكي سكون الغابة، فترك نغم الطعام وقال: “هيا بنا يا زقزوق لنري ما مصدر صوت هذا البكاء؟”
تردد زقزوق قائلًا: توقف يا نغم، لننجز مهمتنا في حمل الطعام أولًا، قبل أن يأتي أحد آخر ويأخذه.
لكن نغم ذي القلب الرقيق، لم يستطع تجاهل النداء، وقال: “لا؛ لا يمكنني ترك طائر يستغيث دون الذهاب لمساعدته.” فأجابه زقزوق: “اذهب أنت، فأنا سوف أكمل جمع الطعام قبل حُلول الظلام.”
انطلق نغم نحو الصوت، بينما واصل زقزوق جمع الطعام.
شعرت قطرة الندى التي كانت تراقب من جناح زقزوق، بخيبة أملٍ لأنه لم يذهب لمساعدة صديقه.
بينما كان زقزوق يجمع الطعام سمع صوت نغم يغني بصوتٍ عالٍ بنبرةٍ حزينةٍ، فأدرك أنه في مأزق ويطلب الاستغاثة.
تنهد زقزوق وزفر بضيق قائلٍ: “دائمًا ما توقع نفسك بالمصائب من وراء قلبك الرقيق هذا.” ثم قال: يجب أن أذهب لمساعدته.
فكر زقزوق في أمر الطعام، فقام بإخفائه تحت أوراق الشجر حتى لا يراهُ أحد ويأخذه، ثم انطلق سريعًا نحو صوت نغم.
تفاجأ زقزوق حينما وجد نغم عالقٌ مع عصفور صغيرٍ في إحدى شبكات صياد.
قال زقزوق: “يا إلهي؛ ماذا تفعل عندك يا نغم؟ كيف وقعت في هذا الفخ؟” قال له نغم: “هل هذا وقت تساؤلاتٍ يا زقزوق؟” انظر، وجدت هذا العصفور الصغير يقع فريسة بداخل شبكة الصيد، ويبكي خائفًا.”
فاقتربت نحو الشبكة ثم حاولت قطعت خُيُوطها لإنقاذه، لكن إحدى أرجلي علقت بالخيوط ولم أستطع فكها. وهكذا حبست مع هذا العصفور، ثم حاولت تهدئته وطمأنته بأن الله معنا، ثم قمت بإشارة الاستغاثة الخاصة بنا.
كانت قطرة الندى كانت تراقب الحدث بتمعن وقلق. وأخذت تترقب من فوق جناح زقزوق مُحاولته لقطع خيوط الشبكة.
بينما زقزوق اقترب من قطع الشبكة بمنقاره القوي، سمعوا صوت خطواتٍ لأشخاص قادمين، ففزع الطيور الثلاثة وارتجفوا خوفًا.
عمل زقزوق بجهد وسرعة إلى أن استطاع أخيرًا قطع خيوط الشبكة بمنقاره القوي، فقام بإخراج العصفور، ثم قطع الخيط الملفوف حول رجل نغم، وقام بإنقاذه وحلقوا سريعًا من مكان الصيد.
توقف الطيور الثلاث لأخذ أنفاسهم، ثم شكر العصفور الصغير زقزوق ونغم على مساعدتهما له، ثم قال نغم لزقزوق: “شكرًا لك يا صديقي لولاك لكان الصيادون….، لكن زقزوق قاطعه قائلًا: “ليس وقت الشكر يا نغم، دعنا نسرع لجمع الطعام وحمله قبل حلول الظلام.” قاموا بتوديع العصفور الصغير، وحلقوا نحو الطعام.
عاد زقزوق ونغم إلي مكان الطعام، لكنهما وجداه قد اختفى. غضب زقزوق كثيرًا ولام نغم قائلًا: “لو ما ذهبت خلف صوت العصفور وتركتني ما كنا سنضيع الطعام والوقت.” لكن صوت العصفور الصغير قاطع زقزوق قائلًا: “لا تحزنا لقد فلعلتوا بي خيرًا، دائمًا ما علمني أبي: “إن الله لا يضيع أجر المحسنين.” فثواب عملكم لن يُضيع، لقد سرت خلفكم حتى أدلكما على مكان سريٍ مليء بالطعام الشهي.” ثم أخذهما لمكان بجانب البحيرة، حيث وجودوا الطعام بوفرة.
فرح نغم كثيرًا ولمعت عينيه، وقال لزقزوق: “لقد كافئنا الله على فعل الخير. هل فهمت الآن أن أصحاب القلب الطيب وحب مساعدة الغير يفوزون؟!” قال زقزوق: “نعم؛ لقد فهمت الدرس جيدًا، وأدركت أن مساعدة الآخرين هي الطريق الصحيح.”
شكر زقزوق ونغم العصفور الصغير، وودعوه وحملوا الطعام واستعدوا للعودة إلى أعشاشهما.
أما قطرة الندى فقد هبطت من جناح زقزوق إلى الأرض أمام البحيرة مسرورةً بالدروس التي تعلمتها من رحلة اليوم، ثم نظرت إلى الرياح، التي حملتها حيثما عانقت أشعت الشمس وصعدت إلى السماء وانتهت رحلتها لهذا اليوم….






المزيد
الكنز : بقلم: سعاد الصادق
خالد ورحلة إلى الفضاء : بقلم: سعاد الصادق
ضوء الأمل: للكاتبة: سعاد الصادق