كتبت: سحر الحاج
في إحدى بقاع الشام المباركة الطاهرة، سكن بيت من بيوتها النبوة والإيمان يملأ أركانه، وكان أهل المدنية يقبع فيهم الفسوق والفجور، يقوم “زكريا بن برخيا” الذي بلغ منه الكبر حتى وهن عظمه واشتعل رأسه شيبة، ومع هذا لم يغادر الوقار والبشاشة وجهه صاحب السبعين عمراً، لدعوتهم لترك ذلك الكفر والفجور؛ ولكن ما زال أهل المدنية كما هم، حتى يأس منهم وطلب من ربه الولد ليكون سيدا وحصورا ونبيا عليهم ويصلح حالهم، لم يكن يطمح زكريا -نبي الله- منذ أن تزوج إلا أن يكون له ولد صالح تقي نقي، فكان كثير العبادة والدعاء يتقرب من الله ويسأله دوما، متزوج من أشياع بنت عمران وأختها السيدة العذراء، مريم بنت عمران -عليها السلام- تكفل زكريا -عليه السلام- بها بعد أن اجتمعوا على من يكفلها اقترعوا قرعة باقلامهم؛ فأخرج كل واحد منهم وألقوها كلها في الماء فجرت أقلامهم مع الجرية إلى أسفل وارتفع قلم زكريا فأخذها.
وكان لها محراب تتعبد فيه، فكان حجابها وعزلتها؛ التي اختارها الله لها، كل ما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزق واسع، في الصباح والمساء، طعام الشتاء يجده بالصيف عندها، وطعام الصيف يجده في الشتاء عندها؛ فاستغرب حالها ذلك وظل يتسائل دومًا كيف يأتيها هذا الطعام وهي لا تخرج من هنا ولا أحد يأتي ليطمئن عليها غيره، فبادر يسألها قائلا لها:
_ يا مريم أين لك بهذا الطعام؟
فتجيبه قائلة:
_ هو رزقُ من عند الله يأتيني به، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب.
فاشتهى زكريا الولد وتوجه بعد ذلك طالبًا من ربه أن يرزقه صبي صالحًا يحمل اسمه، جلس في محرابه يدعو ربه ويعلم علم اليقين أن زوجته كبرت في السن وعقرت عن الولادة، رفع يديه مناجيا ربه نداء خفيًا يقول:
_ ربي أني وهن العظم مني واشتعل رأسي شيبًا ولم أكن بدعائك ربي يومًا شقيا.
قلبه ملئ باليقين والتقوى ويعلم أن ربه لن يرده خائب، حتى جاء ذلك اليوم الذي استجاب له الله دعوته ونزلت الملائكة تبشره أن الله استجاب لدعائه قائلين له:
_ إن الله استجاب لك و يبشرك بغلام اسمه ” يحيى” لم يجعل له من قبل سميًا.
فرح زكريا -عليه السلام- غاية الفرح وطلب من ربه أن يعجل له سبب يؤكد له هذه البشرى عندما تحمل زوجته بهذا الغلام؛ فجاءه الملك المرسل له يخبره:
_ آيتك في إثبات ذلك أن لا تتكلم مع الناس ثلاث ليال سويًا، يعتريك سكتُ لا تنطق فيها إلا رمزاً واشارة باليد؛ ومع هذا فأنت سليم الجسد، سوي الخلق صحيح المزاج، معتدل البنية.
عندما بشره الله بهذه البشارة، خرج من بيته مسرور ولم يكن يستطيع الكلام؛ ولكن ظل يوحي إلى قومه بإشارة من يده أن يسبحوا بكرة وعشية.
************
(73 ق.م_ 4 ق.م)
قصر كبير شاسع مطل على ضفاف البحرالميت ومدينة أريحا، توسط القصر أرض القدس “أورشليم”، فيه من النعم والخيرات الكثير، حتى كان فيه من الجوارى الراقصات وغرف الخمور المسكرات، كل الملذات والشهوات توجد خلف جدارنه الضخمه.
الملك “هيرودس” ضخم الجسد قوي البنية، ملامحه جامده لا تجد في النظر لوجهه إلا الفسق والفساد يجرى في عروقه، حاكم “الجليل”، وبعد ذلك أصبح ملك على مقاطعة اليهودية، كان طاغيا متسلط مغرور بحكمه بسط نفوذه داخل الشام وبنى القصور والقلاع، كان حليفًا أمنيًا للإمبراطورية الرومانية، اشتهر الازدهار والثقافة في حكمه وبنى “معبد القدس” واسماه “هيكل سليمان”.
في أحد الأيام جاءه أحد المجوس من المشرق يخبره:
_ مولاي ظهرت علامة ولادة المسيح.
قال رافعًا أنفه بتعالي:
_ وكيف ظهرت! وما هي؟
_ ظهر نجم المسيح في المشرق؛ هكذا نعرف العلامة التي تدل على وقت ولادته.
نادى اتباعه واحد تلو الأخر وجلس على عرشه يسألهم:
_ هل منكم من يعلم مكان ولادة ملك اليهود؟
تسأل بعضهم عن سؤال الملك الغريب! عندما شاهد حيرتهم أخبرهم:
_ أريد أن أذهب وأسجد له أنا أيضا، كما يسجد له المجوس.
قال أعلمهم:
_ يقال مكان ولادة المسيح في ” بيت لحم”.
تفرس الملك في وجوههم وعلم صدق حديثهم، ولكنه لم يستطع معرفته ولا أين هو، لهدف يضمره في قلبه يريد أن يقتله قبل أن يتنزع منه العرش ويكون ملك على اليهود والمجوس، كما يزعمون، أقام مجزرة في “بيت لحم” لكل طفل مولود فيها ولكن لم يكن للمسيح أثر بينهم، ولم يستطع إجاده أبدًا!
كان قد مرض مرضاً شديد وأوصى بالحكم لابنه “هيرودس أنتيباس”، مرت عليه الأيام ثقيلة صارع فيها المرض، حتى خافت عليه زوجته من الموت فسارعت بإحضار الحكيم لفحصه، أخبرها الحكيم بأنه مصاب بقصور كلوي، حزنت زوجته طويلًا، حتى توفي بعد معاناة أرهقته، أمرت بدفنه في “جبل الفريديس”.
انتهى عهد الظالم “هيردوس” ليظهر من هو أسوا منه ابنه الوثني “أنتيباس”.
**********
صبي صغير في السابعة من عمره، صاحب وجه جميل وقلب برئ، يجلس منعزل عن أبناء عهده يعبد ربه يبكي من خشيته منذ نعومة أظافره، حكيم تقي لا يخاف في الله لومة لائم،
يناديه أحد الصبية قائلا:
_ هيا بنا نلعب يا “يحيي”.
ليجيبه بحكمة هادئًا:
_ ما للعب خلقنا.
ثم يتوجه مغادرًا ليذكر ربه، ويتأمل في خلق السموات والأرض، كان رحيمًا بوالديه باراً بهما، يستجيب لهما طاعة قولًا وفعلًا، فسلمه ربه يوم ولادته ويوم يموت ويوم يبعث حيًا،
زهد في الدنيا حتى أفخم الملابس لم تكن تعجبه ولا يهتم لأمرها، يلبس الوبر ويمشي به بين الناس، ويأكل ورق الشجر ويشرب من ماء النهر، يتجول في الغابات دون فتور…
كبر على ذلك وكانت حياته هادئة حتى عرف الجميع نبوته…
اجتمع بني إسرائيل حوله في بيت المقدس حتى إمتلأ المسجد ليستمعوا لحديثه كما اعتادوا دائما يذكرهم بالله عز وجل فقعد على الشرف فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله عز وجل أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن “أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئا، فإن مثل ذلك مثل من اشترى عبدا من خالص ماله بورق أو ذهب، فجعل يعمل و يؤدي غَلته إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك؟!… وآمركم بالصلاة … وآمركم بالصيام… وآمركم بالصدقة… وآمركم بذكر الله كثيرًا.
احبه بنى اسرئيل المخلصين منهم، وسمعوا وازعنوا له، غير أن منهم من كان يعاده ويغار منه لشدة جماله ووقاره ولما فيه من صفات تفوق صفة أحسن رجل فيهم!
أفاق زكريا وأشياع ولم يجدوا يحيي في البيت، ظلوا ثلاثة أيام يبحثوا عنه دون جدوى لا خبر عنه، كل من يسألوه عنه لا يعلم مكانه، قال زكريا لأشياع:
_ نذهب ونبحث عنه في البراري.
ذهب هو وزوجته يبحثان عنه في الغابات حتى وصلوا حيث وجدوه حفر قبر كبير وجلس بداخله يبكي بكاء شديد، أخرجه والده زكريا قائلًا له:
_ يا بني أنت هنا قائم على قبر حفرته تبكي! وأنا وأمك نبحث عنك منذ ثلاثة أيام.
ظل يبكي هكذا، نطق من بين بكائه الشديد:
_ يا أبت ألست أنت من قلت لي أن بين الجنة والنار مفازة لا تقطع إلا بدموع البكائين؟
قال له:
_ نعم أبكي يا بني!
احتضنه وبكى معه بكاءٍ شديد.
مرت الأيام ويحيى مازال نبي في قومه، حتى “هيرودس” الملك الجبار كان يطلبه مشاورا له في بعض أموره، يعلم أنه نبي زمانه وعلى حق عظيم، ويكن له أحترام لمكانته عند بني إسرئيل، ولعذوبة حديثه إذا تحدث في إي أمر.
**********
في دمشق في قصر الملك هيرودس أقيم طرب لنغمات الموسيقى التي كانت تتراقص عليها جواري القصر، فكانت “هيروديا” زوجة “فيليبس” أخ الملك هيرودس، إمرأة في غاية الجمال فاتنة المظهر، عشقت الملك هيرودس وقعت في حبه وأصابه عشقها، فاحتار في أمره كيف يفعل؟ وهي زوجة أخاه! فما كان منه إلا أن أمر أعوانه في الظلام أن ينقضوا على زوجها شدوا واثقه، وقادوه حتى أدخلوه السجن؛ عندما طلع الصبح عليهما إلا وكانت هيروديا في أحضان هيرودس وأصاب منها ما أصاب، وجلست بجانبه على العرش أمام الملأ، فوصل الخبر إلى كافة أرجاء الشام حتى علم
يحيى-عليه السلام- بهذا الخبر المشين، فغضب وذهب إلى قصر الملك هيرودس ليمنعه أن يتزوج من زوجة أخيه وهو على قيد الحياة، فانصاع الملك لأمر النبي يحيى -عليه السلام- وسمع منه لأنه يعلم صدق نبوته ومكانته في قومه ذهب وأخبرها:
_ يقول نبي الله يحيى إنه لا يجوز لي الزواج منك.
نهضت هيروديا غاضبة ولم يرضها ما قاله نبي الله بقى في نفسها كره له قالت مستنكرة!
_ ما لنا وقوله هيا نتزوج وليعلم الجميع أمرنا.
لم يطاوعها الملك فسأل نبي الله مرة أخرى فرد طلبه وأخبره:
_ أنها لا تحل لك و زوجها على قيد الحياة حتى يطلقها.
فلما يئيست منه وأصابها الغضب الشديد عزمت أمرها و أغوت الملك بإبنتها “سالومى” فتاة فاتنة تفوق أمها في الجمال كل من يراها لا تأبى نفسه إلا أن تقع في حبها، وفي ذات الوقت “سالومى” أحبت يحيى -عليه السلام- ولكنه لم يكن في حاجة للنساء قلبه معلق بالله وحده،
هيروديا حتى لا تفقد نعيم الملك ومكانتها في القصر وتحلم لتكون في مناصب أوسع من هذه، أما سالومى مثلها تمامًا وتعلم ما فعلته مع والدها، غضبت مع أمها أصابها الخوف أن عامة الناس يسمعوا كلام نبي الله يحيى ويعتبروا أن حكم هيرودس وأمها باطلًا.
طلبت هيروديا من ابنتها أن ترقص لهيرودس رقصة ” السبعة أوشحة”، حتى تراوده عن نفسها بهذه الرقصة، وعرف في القصر من ترقص للملك تصبح من ممتلكاته، فتزينت سالومى بكامل زينتها، وكان هيرودس ثملًا لا يعي شيء من حوله، حتى راودته
عن نفسها فلما أراد أن يقع بها، استوقفته تشترط عليه أن ينفذ لها طلبها:
_ أطلبي ما تشائين؛ فطلبك مجاب.
_ أريد رأس يحيى في طست.
رفض طلبها مستنكرًا! يقول:
_ هذا مستحيل أطلبي غيره.
قالت متعجرفة وهي تنهض واقفة:
_ رأس يحيى لا غيره.
يتبع……
المصادر
1_ القرآن الكريم
2_ قصص الأنبياء لابن كثير
3_ الموسوعة اليهودية
4_ إنجيل متى “بعض الإسرائيليات
5_ إنجيل يوحنا






المزيد
الكنز : بقلم: سعاد الصادق
خالد ورحلة إلى الفضاء : بقلم: سعاد الصادق
ضوء الأمل: للكاتبة: سعاد الصادق