مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا بقلم الكاتب: هاني الميهى

الفصل الأول – فُجوات الروح

اسم الكتاب: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا

اسم الكاتب: هاني الميهى

الجزء الأول – اكتشاف الفجوات (رحلتي مع نفسي)

 

في رحلتي مع نفسي، أدركت شيئًا لم يكن واضحًا في البداية: أن النفس ليست مجرد وعاء للمشاعر والأفكار، بل هي كيان حي داخلي يملك القدرة على البناء والهدم في آن واحد. كنت أظن، مثل كثيرين، أن مصدر الألم والخوف والانزعاج يأتي من الخارج، من الناس، أو من ظروف الحياة، أو من أخطاء الآخرين. لكن شيئًا ما في أعماقي بدأ يهمس: “العدو الحقيقي ليس من حولك… إنه بداخلك.”

بدأت ألحظ أن هناك فجوات دقيقة تتسلل داخل نفسي، كأنها شقوق صغيرة في جدار داخلي، لم أكن أراها في صغري أو حتى في شبابي المبكر. لم أكن أستوعب كيف يمكن لموقف عابر أو كلمة غير مقصودة أن تحرك داخلي كل هذا الصخب. ومع كل تجربة، وكل لحظة شعرت فيها بالانزعاج أو القلق، كنت أكتشف فجوة جديدة، مكانًا لم أعتنِ به، نقطة ضعف لم أواجهها بعد.

هذه الفجوات لم تكن عشوائية. بعضها كان نتيجة جرح قديم لم يلتئم بعد، وبعضها ناتج عن خوف مكتوم تراكم على مدار السنوات، وبعضها الآخر جاء من تراكم الإحباطات، من تراكم التوترات اليومية، ومن أعذار كنت أختلقها لنفسي لتجنب مواجهة الحقيقة. كنت أحاول في البداية تجاهل هذه المشاعر، لكن التجاهل لم يفعل سوى أن يجعل الفجوات تتسع، وتصبح أكثر تأثيرًا في كل قراراتي، في كل تصرفاتي، في كل تفاعلاتي مع نفسي ومع الآخرين.

في لحظة صمت، جلست أراقب نفسي بوعي لأول مرة. بدأت أكتب عن كل شعور، كل فكرة، كل انفعال. بدأت أفهم أن كل رد فعل سريع، كل شعور بالذنب أو القلق أو الانفعال بلا سبب، ليس إلا انعكاسًا لتلك الفجوات الداخلية. وهنا بدأ يترسخ عندي درس مهم: فهم النفس يبدأ بالاكتشاف الصريح للفجوات، قبل محاولة السيطرة عليها أو ترويضها.

خلال هذه الرحلة، تعلمت أن مواجهة النفس ليست سهلة، فهي تطلب شجاعة نادرة. كل مرة أكتشف فجوة جديدة، كنت أشعر بالخوف أو بالصدمة، لكن مع الوقت أصبح كل اكتشاف فرصة للتعلم والنمو. بدأت ألاحظ أن كل فجوة تحمل رسالة: فجوة الغضب تعلم ضبط النفس، فجوة الخوف تعلم الصبر، فجوة الجرح القديم تعلم التسامح والرحمة مع الذات.

أدركت شيئًا آخر مهمًا: أن الحياة صعبة، ليس لأن الدنيا ظالمة، ولكن لأن النفس تقيلة، وعنيدة، وتريد أن تُروّض. وكل مشهد من الانهيارات أو الخلافات أو الألم الذي نراه حولنا، ليس نتيجة العالم أو البشر، بل نتيجة النفس التي تُترك دون مراقبة. الفجوات الداخلية تتحرك بصمت، توجه الانفعالات، وتوجه تصرفاتنا، وتجعلنا أحيانًا نسقط فيما لم يكن ينبغي أن يسقط فيه أحد.

رحلتي مع نفسي علّمتني أن الترويض لا يعني القسوة، ولا التدليل، بل الفهم، والملاحظة الدقيقة، وإعادة التوازن. أن تعرف فجواتك هو أن تعرف نفسك، وأن تهذيبها هو أن تهديها الطريق الصحيح. كل خطوة صغيرة في هذا الفهم تمنح الإنسان قدرة على التحكم في ذاته، وتجعله أقل عرضة للانكسار، وأكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة.

 

الرسالة الختامية للجزء الأول:.

“من يعرف فجواته، يعرف نفسه ويهديها الطريق الصحيح.”

:

#هاني_الميهي

#وَنَفْسٍوَمَاسَوَّاهَا

#كتاب_النفس