وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا
الكاتب : هانى الميهى
في صمت الليل، حيث تنام العيون وتستيقظ الأرواح، تتجلى النفس في أبهى صورها، كلوحة فنية يختبئ وراءها عمق لا يطال، ولا يلمسه سوى من أمعن النظر في دهاليز ذاته. النفس، تلك الكائن الخفي الذي سواه الله بعناية فائقة، يحمل بين طياته تضاريس معقدة من ضوء وظل، من فرح وحزن، من شغف وخوف. وقد يظن البعض أن معرفة النفس أمر يسير، لكن الحقيقة أنها بحر لا ساحل له، وغابة لا سبيل لها، وكل خطوة فيهما تكشف عن دهشة جديدة، وحقيقة لم تكن في الحسبان.
تتأمل النفس أحيانًا في صخب العالم من حولها، فتدرك كم أن هدوءها الداخلي هو ما يجعلها قادرة على الصمود، وكم أن توازنها بين الرغبات والواجبات هو سر صيانتها من الانهيار. إنها تلك المساحة التي يحتضنها الإنسان بين ما يريده وما يجب عليه، بين أحلامه وما يفرضه الواقع عليه، وبين ضميره وما تمليه عليه التقاليد والمجتمع.
وعندما يسود الصمت، تنبثق الأسئلة من داخل النفس كعيون متلألئة في الظلام: من أنا؟ وما حقيقتي؟ وهل أنا صادق مع نفسي قبل أن أكون صادقًا مع الآخرين؟ تلك الأسئلة ليست مجرد كلمات، بل هي مفاتيح أبواب داخلية، كل مفتاح منها يفتح زاوية جديدة من الذات، ويكشف عن طبقة لم تكن ظاهرة، وعن جرح لم يلتئم بعد.
في لحظات التأمل، نكتشف أن النفس، وإن كانت معرضة للخطأ والانحراف، فهي في جوهرها خلق رائع، مهيأة للتعلم والنمو، قادرة على السمو فوق العثرات والانكسارات. وما يجعلها أكثر روعة هو قدرتها على التسامح مع نفسها، على قبول ضعفها، على احتضان أوجاعها، ثم النهوض من جديد، تتنفس الأمل وتعيد رسم مسارها نحو الكمال الذي لا نهاية له.
وكم هو جميل أن يعرف الإنسان قيمته من خلال أعماق نفسه، أن يرى فيها انعكاسًا لمبادئه ومعتقداته، وأن يدرك أن سعادته الحقيقية لا تأتي إلا من انسجامه مع ذاته، من تقديره لما هو عليه قبل أن يطلب ما يريد أن يكون عليه. فالنفس ليست مجرد وعاء يحمل الذكريات والتجارب، بل هي أفق رحب، فضاء يتسع لكل حلم، لكل ألم، لكل سرّ صغير أو كبير، لكل همسة ضمير صادقة، لكل شعلة أمل خافتة تنتظر أن تشعلها إرادة الإنسان وعزيمته.
في النهاية، تبقى النفس سرًّا من أسرار الكون، لا يُفصح عنه إلا لمن استطاع أن يحنو عليها، أن يصغي إليها، أن يراها كما هي: خلقة متقنة، مركّبة بعناية، وغاية سامية، تستحق أن تُفهم وتُحترم، قبل أن يُطلب منها أن تُحكم على الآخرين، أو أن تعيش في ظل توقعاتهم. إنها النفس التي سواها الله، ومع ذلك لا يزال الإنسان يخطئ حين يغفل عنها، أو حين يظن أن معرفتها سهلة، أو أن التحكم بها ممكن بلا جهد وصبر.
وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا… كلمة واحدة تختصر رحلة الإنسان الطويلة بين ذاته وعالمه، بين صمته وصخب الآخرين، بين ضوءه وظلمه، بين حلمه وحقيقته. إنها دعوة للتأمل، للتصالح، للنمو، للتقدير، وللحب—حب الذات أولًا، قبل أن يمتد إلى ما حولها.
#هانى_الميهى






المزيد
ارتباك بقلم دينا مصطفي محمد
حين تتشقق المرايا داخلنا ونكتشف أننا نحمل أكثر من وجه ولا نعرف أيّهم نحن حقًا بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
الفصل الخامس عشر: النهاية – متأخر… لكن ليس انتهى بقلم الكاتب هانى الميهى