مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

رماد البلاد وصوت البشر بقلم الطاهر عبد المحسن إبراهيم

رماد البلاد وصوت البشر
الطاهر عبد المحسن إبراهيم
جنى

كانت جنى تُمسك دميتها الحمراء كما لو أنها آخر ما تبقى لها من العالم.
كانت صغيرة في السابعة فقط، لكن الحرب جعلت قلبها أكبر بكثير من عمرها.

في صباح يوم رمادي، كانت أمها تقول لها:
“تعالي نطلع بدري، الشارع ما آمن.”

لكن جنى لم تكن تفكر في الشارع ولا في الهواء الذي صار مليئًا بالخوف، بل في دميتها التي فقدتها قبل يومين عندما سقطت القذائف على منزلهم.
كانت الدمية اسمها مريم؛ صوتها الوحيد حين ينام العالم، صديقتها حين تنتقل من حيٍّ إلى حي، وآخر ذكرى حصلت عليها من والدها قبل أن يختفي مع أول موجة نزوح.

حين وصلوا إلى مركز الإيواء، جلست جنى في زاوية الغرفة تحدق في الجدار المتشقق كما لو أنها تنتظر منه أن يخبرها أين تركت دميتها.
كانت تسمع صراخ أطفال وبكاء نساء وهمسات رجال يحاولون معرفة إلى أين سيذهبون غدًا، لكنها لم تكن تسمع شيئًا سوى صوت الدمية التي لم تعد بين يديها.

وفي المساء، اقترب منها شابّ نازح يحمل بيده صندوقًا صغيرًا من الألعاب التي تبرع بها بعض الناس، وقال لها بابتسامة حزينة:
“اختاري لعبة يا بنتي، كلهن ليك.”

لكن جنى هزت رأسها ثم قالت بصوت خافت:
“أنا ما دايرة لعبة جديدة، دايرة مريم.”

تجمد الشاب في مكانه، فقد عرف هذا النوع من الفقد.
فقد روحه هو أيضًا قبل أشهر حين فقد أخاه.

جلس قربها وقال لها:
“أحيانًا الأشياء اللي بنمشي منها ما بترجع، لكن الذكرى بترجع كل يوم.”

رفعت جنى رأسها ونظرت إليه بعينين صغيرتين ممتلئتين بالوجع والبحث، ثم قالت:
“لكن مريم ما ذكرى، مريم روحي.”

لم يعرف ماذا يرد، كل الكلمات كانت قليلة أمام الصغيرة التي تحمل على كتفيها جرح وطنٍ كامل.

في تلك الليلة، نامت جنى وهي تضم قطعة قماش وجدتها في الصندوق، ليست دمية بلا وجه ولا ملامح، لكنها احتضنتها بقوة كأنها تحاول إحياء ما مات.

وفي نصف الليل، حين هدأ المخيم، قالت أمها وهي تنظر إليها:
“يا رب احفظ ليها بقايا الطفولة دي، ما خليتوا ليها أي حاجة.”

وفي مكان ما بعيد، تحت أنقاض بيت لم يعد بيتًا، كانت دمية حمراء مُغبرة مهشمة تنتظر يدًا صغيرة تعود.
لكن الحرب لا تنتظر أحدًا.