وما حبٌّ إلا للحبيب الأوّلي بقلم إسلام محمد
كثيراً ما يردّد الناس مقولة: “وما حبٌّ إلا للحبيب الأوّلي”، وكأنّ الحب الأول هو الحقيقة المطلقة، والذكرى الأبدية التي لا يمكن تجاوزها. غير أنّ هذا الاعتقاد، على جماله الشعري، ليس بالضرورة دقيقاً أو صائباً في واقع الحياة. فالحب الأول قد يكون مجرد تجربة عاطفية، مليئة بالأحلام البريئة أو الأخطاء القاسية، لكنه لا يعني بالضرورة أنّه الحب الحقيقي الذي يستحق أن يُبنى عليه العمر.
الحب الأول غالباً ما يأتي في بدايات العمر، حيث تغلب العاطفة على العقل، ويطغى الاندفاع على النضج. ومن هنا، قد يتحوّل إلى تجربة موجعة، تترك في النفس ندوباً أو خيبات أمل، وربما تصنع أوهاماً يصعب التخلّي عنها بسهولة. لذلك فإنّ تقديس الحب الأول على أنّه أسمى المشاعر وأصدقها قد يكون مجرد وهم اجتماعي يتناقله الناس عبر الأجيال.
الحب الحقيقي لا يُقاس بزمن حدوثه، بل بمدى قدرته على الاستمرار والنمو. فقد يأتي الحب في المرة الثانية أو الثالثة، لكنه يكون أكثر نضجاً، وأصدق إحساساً، لأنه يقوم على وعي بالتجارب السابقة وفهمٍ أعمق للذات وللآخر. إنّ الحب الصادق هو الذي يمنح الأمان قبل الكلمات، ويقدّم الفعل قبل الوعد، ويصمد أمام التحديات بدلاً من أن ينهار عند أول اختبار.
كثير من الناس ارتبطوا بالحب الأول ثم اكتشفوا مع الوقت أنّه لم يكن سوى لحظة عاطفية عابرة، أو انجذاب شكلي، أو محاولة للهروب من الوحدة. لكنهم حين وجدوا شريكاً حقيقياً في مراحل لاحقة، أدركوا أنّ الحب لا يُقاس بالترتيب الزمني، بل بالصدق والعطاء. فالحبيب الذي يحافظ عليك، ويغمر قلبك بالطمأنينة، ويصنع لك مساحة آمنة من الاحترام والدعم، هو وحده الذي يستحق أن يُسمى حب العمر.
إنّ المعتقدات الخاطئة حول الحب الأول كثيراً ما تقيّد النفوس، وتجعل البعض يعيش أسرى لذكرى قديمة تمنعهم من استقبال حبٍ أجمل في حاضرهم. والحقيقة أنّ التجارب العاطفية – سواء كانت فاشلة أو ناجحة – ليست إلا دروساً تصقل الروح، وتعلّم الإنسان كيف يميّز بين الوهم والحقيقة.
لذلك، علينا أن ندرك أنّ الحب ليس مناسبة عابرة ولا ذكرى أولى فقط، بل هو التزام واستمرارية، وحرص دائم على إسعاد الطرف الآخر. ليس شرطاً أن يكون الحب الأول هو الأصدق أو الأبقى، بل قد يكون مجرد بداية تعلّمنا من خلالها أن نبحث عن الحب الذي يستحقنا.
وفي النهاية، الحب الحقيقي هو ذاك الذي يحافظ على استمراريته، ويتجدد رغم صعوبات الحياة، ويُترجم إلى أفعال لا إلى وعود. فليس كل حب أول حباً حقيقياً، وليس كل حب متأخر وهماً. وحده الصادق الباقي هو الذي يستحق أن يُسمى: حب العمر.






المزيد
مش مهم بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
فُردوس الأندَلُس. بقلم محمد طاهر سيَّار الخميسي.
فليفـض الدمـع بقلم فاطمة فتح الرحمن أحمد