كتبت ملاك عاطف
إلى درويش
كتَبْتَها، وصدحتَ بِها بِمِلءِ فَمِك، وهزَزْتَ بِها أحبالَكَ الصَّوْتِيّةَ حَتّى هَزَّتْ وجدانَ كُلّ من سمِعَها، ورَدَّدوها بعْدَكَ أغانِيَ وأهازيج، وحَفِظوها كما حفِظوا تراتيلَ الوَطَن، وخَلَّدوها بعدَ أن جعَلْتَ مِنها فَتيلًا لِشُموعِ ملحَمَتِك، ثُمَّ…!
ثُمَّ غِبْتَ في دهاليزِ المَوْتِ وراءَ أصداءِ كلِماتِك، ونضجتُ أنا، وولَدَتْ وَطَنِيَّتي المُتْعَبةُ سؤالًا يَتيمًا بعدَ مَخاضٍ طَويلٍ مِنَ التَّفْكيرِ الأليم، وظَلَّ يُلاحِقُ صوْتَكَ الباقي، يُفَتِّشُ عنهُ بنَهَمٍ وجُنون؛ آمِلًا أن يجِدَكَ، ويَصْفَعَ عِبارَتَكَ أمامَ ناظِرَيْكَ، ثُمَّ يحضُنُها مُعتَذِرًا، ويُقَبِّلُها ويَبْكي، لا تتعجَّب؛ فهكذا يفعلُ بِنا الوَطَن، تصفَعُنا قذيفةٌ سلكَتْ طريقَها إلَيْنا في هوائِهِ الفسفوري المسموم، ويُجْبِرُنا على اسْتِنْشاقِهِ؛ فتعبَقُ رئاتُنا بالقَهْرِ وتَسْوَدُّ مِن أعقابِ ضغينَتِهِم، ونرْتَقي شُهَداءَ في جِنانِ الله، وفي أرضِهِ السَّليبةِ يُكَوِّمُنا بلا عِنايةٍ ويدُسُّنا في دفّةِ المَوْتِ ويُغْلِقُ علَيْنا حَقيبةَ الثَّرا، ويبكي علينا دمًا يقطر من بين جنبات التراب، وتَحْتَ أقدامِ المارّة، تَرِنُّ أصداءُ الخُطا؛ فيسْمَعونَ قرعَ أجراسِ بلاستيكِ الأكياسِ الَّذي يُكَفِّنُنا!
ماذا ستقولُ فينا لو عُدْتَ مِنَ البَرْزَخِ أيُّها الفلسطينِيُّ الجَليل؟
أما زِلْتَ مُقْتَنِعًا أنَّ وطَنَنا ليسَ حَقيبة؟؟
وكُلُّنا كَمِثْلِكَ، لسْنا مُسافِرون، بلِ الحَقيبةُ هِيَ مَن لفظَتْنا وشَرَّدَتْنا، وما استَطاعَتْ إطعامَنا حينَ بَكَيْنا تحتَ أشجارِها المَكْسورةِ جوعى، وما مَلَكَتْ لَنا غيْرَ سماها لِنَتَدَثَّرَ بِسَوادِها مِن برْدِ الشّتاءِ، أو بِشُهُبِها البُرْتُقالِيّةِ مِن بَرْدِ الخَوْف، ولم يكُنْ لنا غيرَ ذانكَ مِن خَيار!
فِلَسطينُنا النّازِفةُ لوَّحَتْ لنا بِكِلتا يدَيْها؛ مُوَدِّعةً حينَ فتحَتْ شقيقَتُها لنا أبوابَها مُواربة، ومن تَبَقّى منا يأكلهُ أديمُها كما تأكُلُ القِطّةُ صِغارَها.
نحنُ لسنا مُسافِرينَ، ولَكِنَّ أُمَّنا حمتْنا، وحَثَّتْنا على الفَرارِ؛ فجعَلْنا قُلوبَنا حَقائِبَ، وطَوَيْناها على عَلَمِها، وعلى اسْمِها، وعلى قُدْسِيَّتِها، وعلى حَنانِها، وعلى رائِحةِ ثراها، وعلى كُلِّها، ومَضَيْنا، ومِفتاحُ دارِنا قِلادةٌ عتيقةٌ على صدورنا، يلمعُ تحتَ شَمْسِ الّلُجوءِ، يُذكِّرُنا أنّا عائِدون، ويُعيدُ علَيْنا ما قُلْتَه “وطني ليسَ حقيبة، وأنا لستُ مُسافِر” وأنا أقول: وطَني وإن صارَ حَقيبة، وإن حانَ دَوْري لِتَوَطُّنِ جَيْبِهِ لن أُسافِر، ومن غادَرَ ليسَ مُسافِر، هُوَ لَيْسَ إلّا عائِدًا مُتَجَذِّرًا عَصِيًّا على الهِجْرةِ مُسْتَحيلٌ على البَيْعِ أو التَّخَلّي!






المزيد
ارتباك بقلم دينا مصطفي محمد
حين تتشقق المرايا داخلنا ونكتشف أننا نحمل أكثر من وجه ولا نعرف أيّهم نحن حقًا بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
الفصل الخامس عشر: النهاية – متأخر… لكن ليس انتهى بقلم الكاتب هانى الميهى