وداع الحروف
آخر كلمات تُكتب قبل أن يسكن الصمت قلبي
الكاتبة : سجى يوسف
صباح الخير… أو لعلّه مساء الخير، لا أدري متى ستلتقون بهذه الكلمات، لكنني أدرك جيّدًا أنها الأخيرة.
اليوم، بتاريخ 20/9/2025، أضع نقطة النهاية… نهاية لكل ما خطّته يدي على هذه المجلة، وعلى صفحات التواصل، وحتى على دفتري الذي كان شاهدًا على نزيف قلبي وأسراري الصغيرة.
لن أكتب بعد الآن…
ليس لأن الحبر قد جفّ، بل لأنني أنا من جفّت روحي. لم تعد الكتابة ملاذًا كما كنت أظن، بل صارت مرآةً تُعيد لي وجهي المثقل بالخذلان. صارت جرحًا كلما حاولت مداواته بالحروف نزف أكثر، صارت سجنًا لحزني بدل أن تكون مخرجًا له.
كنت أكتب لأرتاح، فأجدني أثقل…
كنت أكتب لأهرب، فأجدني عالقة أكثر…
كنت أكتب لأبوح، فأجدني مكشوفة على اتساع قلبي.
ولعلّ السبب الأعمق من كل هذا، أن الشخص الذي كان يشجّعني على أن أبدأ، والذي كانت نصوصي تدور حوله وتخصّه وحده… لم يعد هنا. رحيله جعل الكتابة بلا معنى، بلا وجهة، بلا سبب يحرّك قلمي من جديد. لقد رحل وتركني وحيدة أمام الحروف، أحاول أن أستنطقها لتواسيني، فإذا بها تُذكّرني به أكثر، وتعيده إليّ بصورة مؤلمة لا أحتملها.
تعلّمت أن الكتابة حياة ثانية، لكنني الآن أرى أنها حياة أثقل من أن أعيشها. الحروف التي كنت أراها ملاذًا صارت جدارًا عاليًا يحجبني عن الراحة. حتى الورق الذي كان يحتمل ضعفي صار يردّ إليّ صمتي مضاعفًا.
لهذا اخترت الصمت.
فالصمت أحيانًا أرحم من الحروف، وأصدق من النصوص، وأعمق من كل الكلمات التي تتدافع على الورق. اخترت أن أُريح قلبي من لعبة الإفصاح، وأن أترك البياض نقيًّا بلا نزيف، وأُسلم نفسي لسكينةٍ لا يمنحها سوى التوقف.
اخترت أن أُصادق الفراغ بدل أن أُحارب الكلمات، وأن أترك داخلي يهدأ بلا شهود، بلا نصوص، بلا قارئ يفتّش عن ضعفي بين السطور.
وقبل أن أضع قلمي جانبًا، أود أن أقول: شكرًا من القلب لكل من قرأ كلماتي يومًا، لكل من شعر بي بين السطور، لكل من دعمني أو تفاعل أو ردّ على نصوصي. أنتم كنتم أكثر من مجرد قرّاء… كنتم أوطانًا صغيرة احتميت بها، وكنتم الدفء الذي أبقاني أكتب قليلًا بعد كل انكسار.
فلتكن هذه السطور الأخيرة شاهدًا أنني أحببت الكتابة حتى الاختناق، ثم ودّعتها حتى أتنفس.
شاهدًا أنني عشت بين الكلمات عمرًا آخر، لكن حان الوقت أن أستسلم لسكوتٍ طويل، لراحةٍ لم تمنحني إياها الحروف يومًا.
S. Y.






المزيد
اليس غريبا بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
صناعة الكتاب إلى أين بقلم سها مراد
قلوب بقلم ايمان الفقي