لا أعلم كيف استوطنتني هذه الوحدة حدّ أن صارت رفيقتي الدائمة، كأنني أعيش بين الجموع ولا أنتمي إليهم، أضحك بملامحي بينما ينوح داخلي بصمتٍ مُطبق لا يسمعه سواي. أشعر أحيانًا أنّ صدري يضيق بأثقال لا يطيقها، وكأن روحي تستغيث ولا تجد يدًا تمتدّ إليها، فأحتضن نفسي بنفسي، وأجبر قلبي على التجلّد وهو في قمة الانكسار.
إنّ الوحدة ليست فراغًا حولك، بل خواء يسكن أعماقك، فراغ يشبه صحراء قاحلة لا ماء فيها ولا ظلّ. تمتدّ الليالي طويلةً، يشتدّ سكونها، ويعلو فيها صوت داخلي يذكّرني أنني غريبة حتى بين الضحكات، وحيدة حتى في قلب الزحام.
كم أتوق إلى أذنٍ تصغي بصدق، إلى عينٍ تقرأ تعب ملامحي دون سؤال، إلى قلبٍ يشعر بي دون أن أنطق بحرف. غير أنّ الواقع يفرض عليّ أن أبتلع وجعي، أن أخبّئ صراخي في داخلي، وأن أتقن فنّ التماسك، رغم أنّ روحي تتشظّى في صمتٍ مؤلم.
أحيانًا أقول لنفسي: لعلّ الله يربّيني على الصبر، ويُعلّمني أن أكون سندًا لذاتي، فأتماسك. لكنّ الحقيقة أنّ الروح مهما اشتدّت صلابتها، تظلّ متعطّشة لقطرة حنان، لدفء كلمة، لالتفاتة صادقة تبرهن أنّها غير منسيّة.
الوحدة تُشبه العزلة في غابة مظلمة، تمشي فيها بخطواتك وحدك، تبحث عن بصيص نور فلا تراه. تُشبه بحرًا واسعًا تُلقي فيه كلماتك، ثم لا يعود إليك سوى صدى باهت يذكّرك بأنك المتحدث والمستمع في آن واحد.
وأقسى ما في الأمر أنني حين أستند، لا أجد سوى كتفي الهشّة، وحين أفتّش عن عزاء، لا أجد غيري أُربّت به على نفسي. فأعود أهمس لقلبي: “اصبر.. لعلّ الغد يحمل لك دفئًا، ولعلّ القدر يُرسل لك يومًا من يبدّد عنك هذا الخواء.” وحتى يحين ذلك، ما لي إلا أن أكون قوتي وضعفي معًا، وأن أُكمل المسير مهما أثقلني الإنهاك






المزيد
عقيلة عاشوري… حين تصبح الثقافة روح مدينة بقلم خيرة عبدالكريم
اليوم الخامس كيف يبدأ الكاتب الشاب طريقه نحو النشر؟ بقلم الكاتب هانى الميهى
الثقافة مرآة للإنسان بقلم إيمان يوسف أحمد