مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

نحن لا نحب أحداً بقلم نجم الدين معتصم

_ نحن لا نحب أحداً
_نجم الدين معتصم
(حضرة البنفسج)

نعم عزيزي القارئ:
انت لم تُخطئ في قراءة العنوان،
و لم تخطئ الفهم ايضًا ولكن.
نحن لا نحب أحدًا.

سيغضب الكثيرون من هذا العنوان، وسيقول أحدهم إن الحب هو أنقى ما في الإنسان، وإن القلوب لم تُخلق إلا لتُحب. لكنني لا أقول إن المشاعر كذبة، ولا إن العشاق واهمون، بل أقول شيئاً أكثر قسوة: نحن لا نحب الناس دائماً، نحن نحب النسخة التي نصبح عليها بقربهم. نحب من يجعلنا نشعر أننا مهمون، من يخفف وطأة وحدتنا، من يرمم شقوقنا القديمة، من يوقظ فينا أشياء ظننا أنها ماتت منذ زمن، ثم نجمع كل هذه المشاعر في كلمة واحدة ونسميها: الحب.

تأمل قليلاً؛ كم شخصاً أقسم أنه لن يعيش بعد إنسانٍ ما، ثم عاش؟ كم عاشقٍ أعلن أن قلبه مات، ثم عاد بعد أعوام يضحك، ويحب، ويكتب الكلمات ذاتها لشخصٍ آخر؟ إن في الأمر سخريةً خفية؛ فنحن لا نموت حين يرحل الناس، بل نموت للحظة لأن جزءاً من عاداتنا قد رحل معهم. نفتقد الرسائل التي كانت تصل في موعدها، والصوت الذي اعتدناه، والشعور بأن هناك من ينتظرنا في آخر اليوم. إننا، في الحقيقة، لا نفتقد الأشخاص دائماً، بل نفتقد أنفسنا حين كانوا موجودين.

ولهذا نقف أمام الصور القديمة ونبكي. لا لأن الصورة تضم شخصاً غائباً فحسب، بل لأنها تضم نسخةً منّا لم تعد موجودة. نبكي ذلك الإنسان الذي كنا عليه؛ الإنسان الذي كان يضحك أكثر، ويخاف أقل، ويشعر أن العالم أكثر رحمةً مما هو عليه الآن. نحن لا نحزن على الذين رحلوا وحدهم، بل نحزن على الأجزاء التي أخذوها معهم دون أن يشعروا.

ولأن الإنسان كائن أناني بطريقةٍ راقية، فهو يحب من يجعله أفضل، ويهرب ممن يجبره على مواجهة حقيقته. يقول: “أحبك لأنك مختلف”، بينما المعنى الخفي هو: “أحبك لأنك تجعلني أشعر بشيءٍ لا أجده في أي مكانٍ آخر”. ويقول: “لا أستطيع نسيانك”، بينما الحقيقة غالباً هي: “لا أستطيع أن أعتاد غياب الشعور الذي كنت تمنحني إياه”.

وربما كان أكثر ما يرعب في الحب أنه يقنعنا بأن المعجزة كانت شخصاً، بينما المعجزة كانت في الإحساس نفسه. لذلك يرحل الناس وتبقى الحياة، وتنتهي القصص وتبقى الأيام، ونقسم أن قلوبنا انتهت، ثم نفاجأ بعد سنوات أنها لم تنتهِ، وأن القلب الذي ظن نفسه ميتاً لم يكن يفعل شيئاً سوى أنه كان يتعلم طريقةً جديدة للنبض.

لذلك أسأل: إذا كنت تحب شخصاً لأنه يمنحك الأمان، فهل تحبه هو أم تحب الأمان؟ وإذا كنت تحبه لأنه يفهمك، فهل تحبه هو أم تحب شعورك بأن هناك من يفهمك؟ وإذا كنت تحبه لأنه يجعلك سعيداً، فهل تحبه هو أم تحب سعادتك؟

#وفي_النهاية
لا نمتلك إجابةً نهائية، لكننا نعرف شيئاً واحداً: ربما كان الحب، في كثيرٍ من الأحيان، هو الاسم الجميل الذي نمنحه لاحتياجاتنا العميقة. وربما لهذا السبب لا نحب أحداً كما نظن، بل نحب الضوء الذي يوقظه الآخرون في عتمتنا، والسلام الذي يزرعونه في فوضانا، والنسخة التي نصبح عليها ونحن بقربهم، ثم نقضي أعمارنا كلها نحاول إقناع أنفسنا أن ما أحببناه كان الأشخاص، بينما ما أحببناه حقاً هو ما جعلونا نشعر به.