مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

نبع الصمت الخفي بقلم عبدالعليم حمدالحاج 

نبع الصمت الخفي

🖋عبدالعليم حمدالحاج

 

ما أغنى الصمت حين يصبح أعمق من الكلمات، نبعًا غامضًا ينبض وسط صخب الحياة، يحمل في طيّاته أسرارًا لا تُفسر، وأحاسيسًا لا تُقال. في هدوء اللحظة، حيث يتوقف الزمن، تبدأ الأرواح بالرسم على لوح صمتها قصصًا تتخطى حدود التعبير، لغة لا يفهمها سوى من جعل قلبه مسرحًا للحقيقة الخفية.

 

الصمت هناك ليس غيابًا، بل حضورٌ أكثر قوةً وعمقًا، رسالة من أعماق النفس تقول: أن الألم مدرسة، والجرح بابٌ لا يُفتح إلا لمن يجرؤ على العبور نحو النور، حيث تبدأ رحلة النضوج والشفاء. والدمعة ليست ضعفًا، بل نجمة صغيرة تتلألأ في سماء البوح، ذاكرة بأن وراء كل حزن هناك بزوغ فجر جديد.

 

كم يشبه الصمت العناق الذي لا يُرى، يدعمك حين تتكسر أطيافك الداخلية، ويمنحك مساحة لتتنفس ببطء، لتعيد ترتيب نفسك من جديد. هو ذاك الرفيق الذي لا يتخلى عنك، حتى عندما تبدو الكلمات عاجزة، وحين يكسو الغياب الدنيا كسواد مريب، يولد في حضنه أملٌ صغير يحارب الظلام بابتسامة صامته، عنيدة في بقاء الحياة رغم كل الضباب.

 

في الصمت، نسمع همسات القلب الحقيقية، ونقرأ بين السطور ما خفي من رسائل وجدان، ونتعلم كيف نصغي لروحنا بلا حكم أو تعليق، كيف نزرع بذور الحنان داخلنا، لنقطف بعدها ثمار السلام الداخلي. فالصمت يعلمنا، دون أن يأتي بصخب، أن أجمل قصص الإنسان تُحكى في حكمة الانتظار، في صبر القلب على العبور من ليل الألم إلى نور الأمل.

 

وهكذا، حين نطأ طريق الصمت، نعي أن ما يبدو كفراغ ليس إلا مهدًا لولادة جديدة، وأن كل لحظة صمت تحمل في جوفها نورًا ينتظر العناية لينير دربنا. في صمتنا، نجد مواطن الهدوء الحقيقي، وقوة تحملنا التي تمنحنا جرأة مواجهة العالم بعيون تلمع بالنور رغم كل ما مرّ بنا.

 

 

#Abdoosh