



بقلم/ ميار عبدالراضي
ليس المسرح خشبة تُضاء فحسب، ولا مقاعد تُملأ بالتصفيق، بل هو لحظة اعتراف طويلة، يُلقي فيها الفنُّ عن كاهله ثقل الصمت، ويقول: نحن هنا لأننا تعبنا… ولأن التعب يستحق أن يُرى.
في مهرجان «تياترو» بجامعة سوهاج، لم يكن عرض «فراجما» مجرد مشاركة ضمن عروض متعددة، بل كان حالة مسرحية مكتملة، تُشبه تلك الأعمال التي لا تُشاهد فقط، بل تُعاش. عرضٌ بدا واضحًا منذ لحظاته الأولى أنه وُلد من رحم الجهد، وأن وراء كل حركة على الخشبة ليلًا طويلاً من التدريب، ووراء كل صمت معنى، ووراء كل صرخة إنسان يحاول أن يفهم نفسه والعالم.
ما لفت الانتباه في «فراجما» لم يكن البهرجة، بل الصدق. ذلك الصدق الذي لا يُدرَّس، ولا يُصطنع، بل يُستخرج من قلوب آمنت بما تفعل. كانت الشخصيات تمشي على الخشبة بثقل التجربة، وكأنها لا تمثل، بل تحكي عن نفسها، عن خوفها، وانكسارها، ومحاولاتها المستمرة للتماسك.
ظهر الجهد المبذول في أدق التفاصيل: في انضباط الأداء، في تماسك الإيقاع، في العلاقة الواضحة بين الممثل والنص، وبين الجسد والموسيقى، وبين الضوء والظل. لم يكن أي عنصر في العرض زائدًا عن الحاجة، وكأن الفريق بأكمله اتفق على قاعدة واحدة: لا شيء يُقدَّم إلا إذا كان له ضرورة فنية.
ولا يمكن الحديث عن «فراجما» دون التوقف أمام الممثلين، أولئك الذين حملوا النص على أكتافهم، ومشوا به بين الجمهور دون ادعاء. أداءٌ كشف عن وعي تمثيلي حقيقي، وعن قدرة على التحول، وعلى الإمساك باللحظة المسرحية دون إفراط أو افتعال. ممثلون عرفوا متى يتكلمون، ومتى يتركون للصمت حقه الكامل.
أما الإخراج، فجاء كعينٍ تعرف جيدًا ماذا تريد، ومتى تتراجع خطوة لتمنح الممثل مساحته. رؤية إخراجية لم تسعَ إلى فرض سطوتها، بل إلى تنظيم الفوضى الجميلة، وتوجيه الطاقة، وربط التفاصيل الصغيرة بخيط درامي واضح، جعل العرض متماسكًا من بدايته حتى نهايته.
وكان للموسيقى دورها الخفي والعميق؛ لم تكن مجرد خلفية، بل شريكًا في الحكاية. اختيارات موسيقية دقيقة، تُمسك بالمشهد دون أن تخنقه، وتنسحب في اللحظة المناسبة، لتترك الإحساس يعمل وحده. منسق الموسيقى هنا لم يملأ الفراغ، بل صنعه بوعي، ليصبح الفراغ نفسه معنى.
ولا يغيب عن هذا المشهد كله ذلك الدور المهم الذي قامت به إدارة رعاية الشباب بكلية التربية النوعية، التي وفّرت مساحة آمنة للتجربة، واحتضنت العمل منذ خطواته الأولى، وأدركت أن الفن لا يُقاس بالنتائج وحدها، بل بالرحلة التي تقوده إليها. دعمٌ هادئ، لكنه ضروري، لأنه منح الفريق الثقة، والاستمرارية، والقدرة على المحاولة دون خوف.
«فراجما» لم يحصد الجوائز لأنه كان الأفضل تقنيًا فقط، بل لأنه كان الأكثر صدقًا، والأقرب إلى روح المسرح الجامعي الذي يُفترض أن يكون مساحة للتجريب، والخطأ، والنمو، والحلم. عرضٌ قال إن الفن لا يحتاج دائمًا إلى إمكانيات ضخمة، بقدر ما يحتاج إلى بشر يؤمنون به.
وفي النهاية، حين أُسدل الستار، لم ينتهِ العرض حقًا. بقي أثره في العيون، وفي التصفيق الذي جاء طويلًا، كأنه شكرٌ غير معلن لكل يد تعبت، ولكل قلب خاف ثم قرر أن يصعد إلى الخشبة.
هكذا يُصنع المسرح…
وهكذا مرَّ «فراجما»… لا كعرضٍ عابر، بل كتجربة تستحق أن تُكتب، وأن تُتذكر.






المزيد
الزواج المبكر: حين يدفع الأبناء ثمن طفولة لم تكتمل
الموسيقى الهادئة: مفتاحك السحري للسكينة وسط ضجيج الحياة
هوارة… قبيلة العزّ الممتدّ في جذور الصعيد/بقلم /سعاد الصادق