مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

موطن الذكريات

كتبت: مريم محمد خليل

 

في حياة كل فردٍ على قيد الوجود هناك قصصٌ كثيرة، وأحداث متنوعة، ولحظات جذرية لا يمكن تجاوزها أو حتى نسيانها؛ ولكن تظل عالقةٌ في الذاكرة بكل خيط من تفاصيلها، وقد تؤدي بعد ذلك إلى ندوب لا تزول مع مرور الأزمان؛ ولأن عماد الإنسان هو مرحلة الطفولة التي تؤثر في شخصية الإنسان، فإنها كذلك تُشكل مخزنًا لمواقف وأحداث ومشاهد يصعب على المرء نسيانها، بل ترافقه طوال عمره؛ حتى الممات، حتى وإن بدت هذه المشاعر غير ظاهرة في تلك الأحيان إلا أنها سوف تظهر حالما تتسنى لها الفرصة؛ فبمجرد أن بتعرض لموقف مؤلم أو خذلان مدوي تبدأ آلامه بالظهور، ولكن بأشكال مختلفة وقد تتسبب له في عقد نفسية وخيمة؛ لذا فإن الطفل ما هو إلا سجينٌ لذكريات، ومواقف، ومشاعر طفولته؛ حتى بعد أن يكبر ويشيخ به العمر، فلو فقد الطفل عزيزًا عليه كأباه أو أمه، وكبر ومر على هذا الحادث الكثير من السنوات؛ ولكن في لحظة ما يسترجع هذا الطفل البالغ الآن تفاصيل هذا الحادث الأليم بكل ما يحوية دون تجاهل أو نسيان أي تفصيلةٍ فيه، رغم أنه قد يكون لم يتجاوز بضعة سنوات من عمره، يظن البعض أنه عند التحدث عن الطفولة ستكون الكلمات مزهرة والحياة وردية؛ ولكن هناك طفولة مأساوية، طفولة باهتة، سُرقت منها أجمل الألحان وأروع النغمات، غمست البراءة في وحل الأنين، طفولة يملؤها الدمار، والانهيار، والانكسار، وأمنيات لا يستحق لنا أن نحلم بها، أخبروني بربكم أين هي الطفولة؟ وكيف تكون هذه طفولة؟ كيف يمنع الطفل من اللعب واللهو ومن حرية تفكيره؟ رحلت كل مشاعري مع خذلان الطفولة، فوراء كل جرح شُقَ في جسدي وفي فؤادي كانت تذهب معه بضعٌ من رحماتي، ظللت وحيدةٌ في أكثر فترة احتجت فيها إلى الأهل والأصدقاء؛ وبينما كان الآباء منشغلون في تربية أبنائهم والاهتمام بنشأهم، كنت أنا أصارع ثرثرات عقلي المزعجة التي دائمًا ما كانت تقارن بيني وبين طفولة الآخرين، وفي حين من الأحيان كان الجميع يجلس ويتحدث عن طفولته الحافلة بالإنجازات من وجهة نظره، ومنهم من كان يشتاق لتلك الأيام المزدحمة ببراءة الأطفال ونقاؤهم إلى شجاره مع إخوته على جهاز تحكم التلفاز، لاشتياقه لطعام أمه ولحضن أبيه الدافئ بعد عودته من عمله؛ لتلك الأيام التي كان أكبر همه فيها أنه سيختار دوره الأول في لعبة مع باقي الأطفال؛ بينما تحدث شخصٌ آخر بأنه لا يريد أن يتذكر أيام طفولته؛ لأنها دائمًا ما تذكره بالمأساة، والحزن، والألم تذكره بخيبته في عدم شعوره بحنان الأسرة ودفء العائلة؛ فاحفظ طفولة ابنك لينشأ سوي النفس يافع البنيان، لا يتذكر خذلان أبيه ومرارة شعوره تجاه أمه، لا تصنع فجوة كبيرة بينك وبين طفلك؛ لأن هذه الفجوة ستتسع، حتى تصير قبرًا كبيرًا وأنت أول من سيدفن فيه.