كتبته : الإعلامية سبأ الجاسم الحوري
في عالم يمتلئ بالمعرفة والتجارب، نعيش أسرى بين طرفين متناقضين: الذاكرة والنسيان. كل لحظة تمر تترك وراءها أثرًا، بعضها نحمله كعبء ثقيل، وبعضها يذوب في مجاهل النسيان. لكن هل نحن، كبشر، نملك الذاكرة حقًا؟ أم أن النسيان هو السيد الخفي الذي يعيد تشكيل حياتنا بطرق لا ندركها؟
الذاكرة، كما يقولون، هي سجل الحياة، دفتر يخط فيه كل يوم ما نعيشه من أحداث وتجارب. هي التي تذكرنا بمن نكون، وتعيد إلينا ملامح من أحببناهم أو كرهناهم. لكنها في الوقت ذاته، قد تكون سجنًا نحمله في صدورنا. بعض الذكريات تلاحقنا كأشباح لا تفارقنا، تحرق قلوبنا بألم الفقد أو الخيبة، فيما نرغب أحيانًا في الهروب منها.
أما النسيان، ذلك العدو الصديق، فهو ملاذ للروح المتعبة. كثيرون يرونه ضعفًا أو عيبًا، لكنه في الواقع هو آلية طبيعية تتيح لنا التحرر من ثقل الماضي. بدون النسيان، كيف سنواصل الحياة؟ كيف سنبدأ من جديد إذا كنا نحمل كل فشل أو خسارة كجرح مفتوح لا يندمل؟ إن النسيان يمنحنا فرصة للنمو، للتطور، ولإعادة بناء ذواتنا من الرماد.
لكن في نفس الوقت، النسيان ليس بلا ثمن. فهناك لحظات وأشخاص لا نريد أن ننساهم، نتمسك بهم كأنهم جزء منا. أليس من الغريب أن ننسى التفاصيل التي نعتقد أنها مهمة، بينما تظل ذكريات عابرة محفورة في أذهاننا؟ تلك المفارقة تطرح السؤال: هل نملك التحكم في ذاكرتنا؟ أم أن العقل هو من يختار ما يحتفظ به وما يلقيه في بحر النسيان؟
من الناحية العلمية، يُعتبر النسيان عملية ضرورية للعقل. فالعقل البشري لا يمكنه استيعاب كل معلومة أو تجربة مررنا بها. هناك معلومات تحتاج إلى التلاشي، حتى يتمكن العقل من استقبال الجديد. وهنا يكمن جمال النسيان؛ فهو ليس فقدانًا بقدر ما هو إفراغ للأماكن القديمة استعدادًا لملئها بما هو قادم.
ورغم ذلك، نحن نتشبث بالذاكرة. نحتفظ بالصور، نكتب المذكرات، نحكي القصص التي تخلد تجاربنا. نعتقد أن في هذه الأفعال مقاومةً للنسيان، ولكن الحقيقة أن النسيان جزء من دورة الحياة. فهو الذي يفسح المجال للجديد، وهو الذي يمنحنا فرصة للتعافي، لإعادة تعريف هويتنا وتجاربنا.
وفي خضم هذا الصراع بين الذاكرة والنسيان، نكتشف أن كلاهما ضروري للحياة. نحن بحاجة إلى الذاكرة لتشكيل هويتنا، ولكننا بحاجة إلى النسيان لنعيش بسلام. التوازن بينهما هو ما يجعلنا قادرين على الاستمرار، وعلى التأقلم مع تغيرات الحياة.
في النهاية، لا يمكننا أن نكون أسرى لأي منهما علينا أن نقبل حقيقة أن الذاكرة والنسيان وجهان لعملة واحدة، وهما جزء من رحلتنا نحو الفهم الأعمق للوجود والذات. مملكة النسيان ليست مكانًا للخسارة، بل هي جزء من دورة الحياة التي تمنحنا القوة للاستمرار والتجدد.






المزيد
الزواج المبكر: حين يدفع الأبناء ثمن طفولة لم تكتمل
الموسيقى الهادئة: مفتاحك السحري للسكينة وسط ضجيج الحياة
هوارة… قبيلة العزّ الممتدّ في جذور الصعيد/بقلم /سعاد الصادق