بقلم/ خالد محمد شعبان
تكمن كبرى مشكلات المبدعين عند الشروع في فنّهم في «الشكل النهائي» للعمل؛ فالفنان غالبًا ما يستحضر صورة مكتملة لعمله قبل أن يبدأ خطوته الأولى، وهذا التصوّر المسبق يخلق «فجوة إبداعية» عميقة؛ إذ يُصدم المبدع في محاولاته الأولى بالفارق الشاسع بين ما يراه في مخيّلته وما تصنعه يداه على أرض الواقع، مما يفقده الثقة في موهبته وقدرته على بلوغ ذلك الحلم الإبداعي المثالي.
ذوق الفنان وعائق الكمال
هذه المعضلة هي السبب وراء تصريحات بعض المشاهير بأنهم «لم يصلوا بعد إلى ما يطمحون إليه» رغم ضخامة إنجازاتهم، والسبب هو تطوّر ذوقهم وقدرتهم النقدية عبر سنوات الممارسة، مما يجعلهم يلحظون الفجوة بين الطموح والواقع بشكل أدق. والبعض يعتقد خطأً أن «جلد الذات» هو وقود العظمة، لكن الحقيقة أن هذا التفكير قد يكون معول هدم لا بناء.
سموم الضغط النفسي
إن هذه المعضلة ليست محفِّزة كما تبدو، بل هي قوة تثبيط سامة؛ فبمجرد وصول المبدع إلى عمل عظيم تتحوّل فرحته إلى ضغط نفسي يطالبه بما هو أفضل، حيث يقع الكثيرون فريسة لهذا الجلد العنيف ويتوقفون عن ممارسة الفن، بينما تستمر قلّة قليلة بدوافع خارجية كالشهرة أو الالتزامات التعاقدية، وليس بدافع الإبداع الخالص.
علاج المعضلة ومبدأ التجربة والخطأ
إن الخوف من الخطأ هو ما يمنع المبتدئين من إنتاج عملهم الأول، وكأن هذا العمل سيكون الحكم النهائي عليهم. ولتجاوز هذا الدرب المخيف لا بد من تبنّي مبدأ إنساني قديم: «التجربة والخطأ»، وهذا المبدأ هو محرّك الحضارة من اكتشاف النار حتى عصر الذكاء الاصطناعي.
يعتمد هذا المبدأ على تقبّل الخطأ كجزء أصيل من التعلّم؛ فالمجرِّب لا يحاول تخيّل النتيجة النهائية، بل يترك التجربة ترشده. فالهدف هنا ليس «المحاكاة الكاملة للخيال»، بل استكشاف الطريق الموصِل إلى الهدف.
مثال تطبيقي على كتابة الرواية
إذا أردت كتابة رواية خيال علمي، فلا تحاول تنفيذ أول فكرة تطرأ بذهنك، بل عليك أولًا إفراغ كل المشاهد والأفكار في مسودّات أولية، ثم استكشاف ما يمكن تطويره من هذه المسودّات للوصول إلى فكرة فريدة. فالتصالح مع الأخطاء السابقة هو ما يصنع المبدع، ولأن شجاعة تجاوز ألم الفشل هي التي تقود إلى حلاوة الإنجاز.
عضلة الإبداع والممارسة
لقد وجدتُ أن الصعوبة تكمن في «عقلية الصياغة» التي تسأل دائمًا: «كيف سيبدو العمل في النهاية؟» وهذا السؤال يقتل العمل في مهده، والحل هو التدريب على الفصل بين مرحلة الإبداع (حيث يطلق الفنان العنان لنفسه) ومرحلة النقد (حيث يعود كمراجع لإصلاح الأخطاء).
الإبداع مهارة تُكتسب بالممارسة، تمامًا كرفع الأثقال؛ فالمعرفة النظرية بكيفية رفع الوزن لا تعني أن عضلاتك قادرة على ذلك دون تمرين طويل. لذا على كل كاتب وفنان أن يهضم الخطأ ويتحمّله، فالمعرفة الإدراكية تختلف تمامًا عن المهارة الفعلية.
تذكّر أن الرحلة أهم من الوصول؛ فالرحلة هي المعلّم الحقيقي، أمّا خط النهاية فليس سوى استراحة قصيرة بين رحلات إبداعية متتالية.






المزيد
الموسيقى الهادئة: مفتاحك السحري للسكينة وسط ضجيج الحياة
هوارة… قبيلة العزّ الممتدّ في جذور الصعيد/بقلم /سعاد الصادق
متاهة الحب