مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

مرايا الوجع: صرخة طفولة بين الركام – الكاتب أمجد حسن الحاج

​مرايا الوجعِ: صرخةُ الطفولةِ بينَ الركام
​بقلم: د. أمجد حسن الحاج
​تتجسَّدُ في هذا الإطارِ المُضاءِ خيوطُ مأساةٍ إنسانيةٍ عُظمى، حيثُ يقفُ صبيٌ صغيرٌ وحيداً، في منتصفِ طريقٍ موحلٍ، تختلطُ فيهِ بقايا التدميرِ بأوحالِ الأسى. نظرةُ الطفلِ الثابتةُ تُخترقُ المشهدَ، تحملُ عمقاً يفوقُ سنواتِ عمرهِ القليلة، وكأنَّ عينيهِ استوعبتا خيباتِ جيلٍ كاملٍ. يرتدي قميصاً داكناً وشورتاً قصيراً، ملابسُهُ ملطخةٌ بغبارِ المعاركِ وآثارِ التيهِ، وجسدُهُ النحيلُ يقفُ كعمودٍ من الصبرِ وسطَ عاصفةِ الخراب.
​خلفَ هذا الكيانِ البريءِ، تترامى أطلالُ مكانٍ كانَ يوماً ما مأهولاً بالحياة، فالحطامُ المُكدَّسُ على جانبي الطريقِ يروي قصةَ قصفٍ عنيفٍ وهدمٍ قاسٍ. وفي العمقِ البعيدِ، تتوهَّجُ ألسنةُ نيرانٍ صفراءَ وبرتقاليةٍ خافتةٍ، تُرْسِلُ دخاناً خفيفاً يتصاعدُ بحزنٍ إلى فضاءٍ مُتعبٍ، شاهدةً على نهايةٍ مروِّعةٍ لكلِّ ما هو جميلٌ وآمن. الطريقُ أمامَهُ ليسَ سوى خليطٍ من الترابِ والرُّكامِ وبركِ الماءِ العكرةِ التي تعكسُ السماءَ الداكنة.
​لكنَّ اللقطةَ الأكثرَ إيلاماً ورمزيةً تكمنُ تحتَ قدميهِ الحافيتين: انعكاسُ صورتِهِ في مِرآةِ الماءِ. ذلكَ الانعكاسُ لمْ يكنْ صورةً مُطابقةً لجسدِ طفلٍ وديع، بل تحوَّلَ إلى هيئةِ مُقاتلٍ مُدرَّعٍ، يحملُ سلاحاً نارياً، في دلالةٍ صادمةٍ على تبدُّلِ الهويةِ. إنهُ ليسَ مجردَ ظِلٍّ، بل هو شبحُ المستقبلِ المُرتقب، أو ربما هو عبءُ الواقعِ الذي أثقلَ كاهلَ الطفولةِ. الانعكاسُ يُمثِّلُ التحوُّلَ القسريَّ من براءةِ الصِبا إلى قسوةِ النجاة، ومن اللعبِ إلى التسلُّح، مُجسِّداً انتهاكَ الروحِ التي فرضتْ عليها ظروفُ الصراعِ أنْ تحملَ مسؤوليةَ البقاءِ المُحفوفِ بالمخاطرِ قبلَ الأوانِ.
​تلكَ اللمعةُ المُتلألئةُ حولَ حوافِ بركةِ الماءِ، كأنها نجومٌ متساقطةٌ، تُضيءُ بؤرةَ التركيزِ على التناقضِ المُهيبِ بينَ ما هو كائنٌ (الطفلُ المغلوبُ على أمره) وما هو مُتوقَّعٌ منهُ (المُحاربُ المُضطر). إنهُ ميزانٌ مختلٌّ يزنُ الطفولةَ بالبارودِ، ويُقايضُ الأحلامَ بالجُرحِ.
​هذهِ الصورةُ ليستْ مُجرَّدَ وثيقةٍ بصريةٍ للدمار، بل هي بيانٌ فلسفيٌّ عن اغتيالِ البراءةِ وتشويهِ المصير. إنها تصرخُ مُناديةً بوضعِ حدٍّ لهذا العبثِ الذي يحوِّلُ زهورَ الغدِ إلى دروعٍ، ويُجبرُ العيونَ اللامعةَ على رؤيةِ أبشعِ صورِ الفناء. الطفلُ هنا، يقفُ شامخاً على الرغمِ من كلِّ شيء، لكنَّ ظلَّهُ في الماءِ يحملُ ثقلاً لا يليقُ بكتفِهِ الغضِّ، مُقدِّماً لنا درساً قاسياً عن كلفةِ الحروبِ الحقيقيةِ التي تُسرقُ الأعمارَ وتُدمِّرُ ما هو أثمنُ من المباني: جوهرُ الإنسانِ النقيُّ.