مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

في محراب الازل: رسالة من صمت الرمال – الكاتب أمجد حسن الحاج

​في مِحرابِ الأَزلِ: رسالةٌ من صمتِ الرمال
​بقلم: د. أمجد حسن الحاج
​تتوهجُ الصورةُ بوهجٍ شاحبٍ منسيٍّ، سكونٌ سرمديٌّ يخترقُ جدارَ الزمنِ العابثِ. هنا، في هذا المأوى الترابيِّ العميق، ترقدُ بقايا كيانٍ كان يوماً يخفقُ بالحياة، شاهداً صامتاً على نهايةِ رحلةٍ لم تُدوِّن تفاصيلَها الكتب. الجُثَّةُ الهيكليةُ تمدُّ أطرافَها في رِفقةِ الترابِ البارد، وكأنها تستسلمُ لحضنِ الأرضِ الأخير، وضعيةٌ أفقيةٌ تُحاكي الركونَ الأبديَّ، حيثُ انتهت الحركةُ وتلاشتْ الأصواتُ.
​خلفَ هذا المَرقَدِ، يُشيرُ نتوءُ التلِّ الصغيرِ المُغطّى بالحصى، والمُحدّدُ بحجارتينِ ضخمتينِ نُصِبتا كشواهدَ، إلى أنَّ هذا ليسَ مجرَّدَ مدفنٍ عشوائيٍّ، بل مكانٌ مُكرَّمٌ، مَزارٌ خُصِّصَ لروحٍ غادرتْ. الحجارةُ المُنتصبةُ تُرْسلُ إشاراتِها نحو سماءٍ مُتلبِّدةٍ، غيومُها داكنةٌ مُثقلةٌ بأسرارِ العصور، وكأنها تشهدُ على عهدٍ قديمٍ، قُطعَ بينَ الإنسانِ والطبيعةِ الأُمِّ.
​يُطالعُنا وجهُ الهيكلِ العظميِّ، وقدْ أدارَ الجمجمةَ قليلاً ليُقابلَ الغروبَ أو الشروقَ، مُعلناً انسحاباً هادئاً من ضجيجِ الوجود. العظامُ المُصفرَّةُ، والمُتراصَّةُ بانتظامٍ بديع، هي آخرُ ما تبقى من قصةٍ لم تُروَ، فصولُها ضاعتْ بينَ فَلَتاتِ النسيانِ ورمالِ الصحراءِ الزاحفة. كلُّ فِقرةٍ، وكلُّ ضِلعٍ، وكلُّ عظمةٍ طويلةٍ للساقِ، تحكي عن ثِقلِ العيشِ ولذَّةِ التنفسِ، عن مشيٍ وسعيٍ انتهى بهِ المطافُ إلى هذهِ الهُدأةِ السكونية.
​تلكَ الفجوةُ المحفورةُ في جوفِ الأرضِ، ليستْ نهايةً فحسب، بل هي نقطةُ التقاءٍ فلسفية، حيثُ تتجاورُ الهشاشةُ البشريةُ مع الصلابةِ الجيولوجية. يتدفَّقُ الترابُ الداكنُ حولَ هذا الرُفاتِ ببطءٍ مهيبٍ، حارساً أميناً على هذا الوديعةِ الزمنية. المشهدُ يُثيرُ تساؤلاً جوهرياً: كمْ منَ الأحلامِ والأماني قدْ دُفنتْ هنا؟ وكمْ منَ الانتصاراتِ والهزائمِ احتضنتْها هذهِ الأرضُ قبلَ أنْ تُسدَلَ عليها ستائرُ الصمتِ المُطلق؟
​إنَّ هذا الهيكلَ، الذي ينامُ مُستريحاً تحتَ حراسةِ الأثرياتِ الصخرية، يُصبحُ رمزاً خالداً لفناءِ الجسدِ وبقاءِ الأثر. إنهُ يدعونا للتفكُّرِ في حقيقةِ المُضيِّ، وفي أنَّ مصيرَنا المشتركَ هو العودةُ إلى المنبعِ الأول. هذا المَشهدُ الأركيولوجيُّ ليسَ مجردَ كشفٍ أثري، بل هو قصيدةٌ مرئيةٌ في الرثاء، تتغنّى بقداسةِ النهاية، وتُذكّرُ الإنسانَ بحجمهِ الضئيلِ أمامَ اتساعِ الكونِ وامتدادِ الدهور. إنها رسالةٌ صامتةٌ، وصلتنا من صميمِ الماضي البعيد، تُخبرُنا أنَّ الحياةَ مهما طالتْ، فمصيرُها أنْ تُصبحَ سكوناً أبدياً، مُسطَّراً تحتَ سماءٍ تتغيَّرُ، وأرضٍ تبقى