مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

مرآة الصراع الصامت بقلم أمجد حسن الحاج

مرآة الصراع الصامت بقلم أمجد حسن الحاج

 

في زاويةٍ ضيقة من الليل، كان آدم يقف أمام المرآة كأنها بوابةٌ تُمسك نصفه الآخر، ذاك الجزء الذي ظلّ طوال العمر يهرب منه. لم يكن بحاجةٍ إلى ضجيج العالم ليشعر بأن داخله ينهار؛ كان الصمت كافيًا ليكشف له حجم التصدّع الذي حمله بلا اعتراف.

 

كبر آدم وهو يظن أن القوة تعني أن يصمت عندما يتعب، وأن يشدّ قبضته كلما اقتربت دمعة من أطراف عينيه. ومع كل عامٍ يمر، صار يدفن تعبًا فوق تعب، حتى لم يعد يعرف شكل ملامحه الحقيقية. كان يعيش بين الناس، يبتسم، يضحك، ويسرد حكاياتٍ خفيفة… بينما الحكاية الأثقل ظلّت حبيسة صدره، تنتظر لحظة الانفلات.

 

في تلك الليلة، عاد منهكًا من معركةٍ جديدة لم يخبر أحدًا عنها. لم تكن معركةً في الخارج، بل حربًا صغيرة تدور في قلبه، بين ما يريد أن يكونه وما يُفرض عليه أن يبدو. شعر بأن كل شيء يسقط من بين يديه: الأحلام التي تأخرت، العلاقات التي تكسرت، الوعود التي لم يتحقق منها شيء. كان يشبه رجلاً يحمل جبلاً على كتفه ولا يستطيع الاعتراف بثقل الحجارة.

 

اقترب من المرآة، فلم يرَ نفسه… رأى صديقه القديم الذي تركه منذ زمن: ذلك الصبي الحالم الذي كان يثق بأن الغد أوسع من كل الألم. وقف يحدّق في صورته وكأنه يحدّق في شخصٍ غريب، شخصٍ يطالبه بأن يفسّر له كيف تحولت ابتسامته إلى حزنٍ صامت، وكيف أصبح قلبه يشيخ قبل ملامحه.

 

ورغم كل الصراع، لم يكن آدم يبحث عن انتصار؛ كان يبحث عن مساحةٍ صغيرة يتنفس فيها بصدق، عن لحظةٍ يسمح فيها لداخله بالكلام دون خوف أو تزييف. ولأول مرة، شعر بأن المرآة لا تُحاكمه، بل تستدعي منه اعترافًا مؤجلاً.

 

رفع رأسه ببطء، وأغلق عينيه، وكأنه يعتذر لنفسه عن سنواتٍ طويلة عاشها وهو يُجامل الجميع إلا ذاته. لم يصرخ، لم يبكِ، لكنه شعر بأن شيئًا ثقيلاً خرج من صدره… كأن الظل الذي كان يطارده ذاب تحت نورٍ خافت، وكأن الصراع المرير وجد طريقه إلى الهدوء.

 

خرج من الغرفة بخطواتٍ متزنة، وهو يدرك بأن الشفاء لا يحدث دفعةً واحدة، لكن لحظات المصارحة تُشبه الأبواب التي تُفتح ببطء… لتعيد الإنسان إلى قلبه، لا إلى العالم.

 

وهكذا بدأ آدم فصلاً جديدًا، لا ينتظر فيه بطولةً كبرى ولا نصرًا صاخبًا… بل يبحث فقط عن سلامٍ يكفي ليجعله قادرًا على أن يرى نفسه دون خوف، ويؤمن بأن الانكسار ليس نهاية الطريق، بل بداية التعرف على الإنسان الحقيقي الذي أخفاه طويلاً.