ضجيج لا يسمعه أحد بقلم أمجد حسن الحاج
في إحدى الزوايا الباردة من هذا العالم، جلس شاب يُدعى “مأمون”، على طاولة قديمة، أمام ورقٍ أبيض لم تلمسه الحروف منذ أيام. كانت أنفاسه متقطعة، يديه على رأسه، ليس تعبًا من المذاكرة، بل ثقلًا من الأسئلة التي لم يجد لها أجوبة.
لم يكن مأمون شخصًا عاديًا. كان حالمًا منذ طفولته، يملأ دفاتره بالخطط، يرسم مستقبله بدقة المهندس، يخطط لعالمٍ أفضل مما عاش فيه. لكنه كبر، وبدأت الحياة تُسقط واحدة تلو الأخرى من أحلامه دون أن تعتذر.
لم تكن المشكلة في نقص الإرادة، بل في زحام الأصوات. لم تكن مسموعة، بل صامتة، لكنها أقوى من كل صراخ. أصوات الخوف من الفشل، الانتقاد المتكرر، تذكير مستمر بأنه لا يكفي، لا يليق، لا يستحق. كلماتٌ كالأشباح، تحاصره في كل لحظة، حتى وهو وحده.
كل “حاول من جديد” كانت تذكرة ألم.
كل “اصبر” كانت صفعة تذكّره بأن لا أحد يفهم ما بداخله.
وكل “أنت قوي” كانت تنهار أمام ضعفه الحقيقي، الذي لا يراه أحد.
جلس، لا ليستعد لاختبار، ولا ليكتب مقالًا، بل ليستجدي فكرة تواسيه، بصيصًا يُقنعه بأن الوقت لم ينتهِ. لكن الضجيج كان أكبر من قدرته على التركيز. كل يدٍ تمتد حوله كانت وهمًا، لا تمده بالنجدة، بل تسرق آخر ما تبقى من سلامه الداخلي.
مأمون لم ينهزم في معركة، بل تآكله الصمت. لم يسقط من عثرة، بل من ثقل التوقعات. أصبح العالم خانقًا، رغم اتساعه، وكل يومٍ يمرّ، يشعر وكأنه يبتعد أكثر عن ذاته، عن ما أراده، عن معنى وجوده.
ربما هو لم يكن بحاجة لخطة جديدة، بل لاحتضانٍ صادق.
لمن يقول له: “يكفي أنك قاومت كل هذا وحدك.”
لكلمة تُصدق خوفه دون أن تلوم، لحبّ لا يُشترط فيه النجاح.
لكن حين غابت هذه الأصوات، جلس كما هو الآن، رأسه بين كفيه، محاطًا بأشباحٍ لا ترحل، تحاكمه على ضعفه، وتجرّه إلى الظل، حيث لا نور، ولا مخرج.
وفي زاوية الورقة البيضاء أمامه، كتب جملة وحيدة:
“أنا أُغرق، وليس هناك من يرى.”






المزيد
ما يشبهك في قلبي بقلم الكاتب هانى الميهى
الجميعُ ثائر بقلم فاطمة فتح الرحمن أحمد
أرض الفيروز بقلم عبير عبد المجيد الخبيري