“متعة الإبحار مع القمر”
بقلم: محمد طاهر سيَّار الخميسي
مع سكون الصمت وهدوء البحر، أبيتُ تحت السماء الصافية، برفقة القمر الهادئ، رفيق العزلة ومؤنس الأرواح التائهة. ينثر نوره الفضي على صفحة الماء كمرآةٍ للحياة، تختلط فيها الحقيقة بالخيال، والواقع بالحلم. أتنفّس نسيم الليل، وأترك لروحي حرية الترحال في عوالم لا يحدّها زمان ولا مكان. هناك، حيث لا ألم يشكو، ولا ضجر يسكن، ولا روح تسأم من الذهاب والإياب كل صباح ومساء.
في أعماق البشر تسكن هموم وآلام، لا يداويها طبيب، ولا يقدر عليها دواء، سوى هذا المشهد الآسر، الذي يُشعرني كأنني وُلدت من جديد. حين أرفع عيني إلى النجوم، أبحث بينها عن نجمةٍ واحدة تُنير لي عتمة قلبي، نجمةٍ تنعكس على سطح البحر، كأنها وُجدت فقط لتقول لي: “لست وحدك”. خُيّل إليّ أنني أحتضن القمر بين ذراعي، وأصطاد النجيمات كما يصطاد الصياد أسماكه، واحدةً تلو الأخرى، أحملها في قلبي وأخبئها بين أضلعي.
ذلك المنظر، بما فيه من سحر، يوقظ في قلبي حاجة إلى الحب، إلى دفء إنسانٍ يحتويني، ليُنسيني أعباء الحياة، وضجيجها، ومآسيها. إنه منظرٌ يخطف الأبصار، وفتنةٌ تلبس ثوبًا بديعًا يسحر الألباب، يُشبه الحلم في صفائه، ويشبه الحقيقة في أثره.
أُحلّق بخيالي عالياً، ثم أنحدر إلى العمق، وأسافر في زورقٍ جميلٍ ينساب بي فوق صفحة الماء الهادئة، يسير كما أشتهي، لا كما تشتهي الرياح. كأنني في عالمٍ خاص، لا تحكمه قوانين، ولا يُقيده الواقع. أمواجٌ تتلاطم، وتتباشر، ولكن لا شيء يمنعني من الإبحار. لقد وجدت في القمر رفيقًا لا يخذلني، يمدّني بنوره الأبدي، وفي النجيمات حبًّا يأسر فؤادي، وفي البحر تجربة عنيفة تُطهّر القلب من الحزن، حتى كدتُ أذرف دمعًا حارًا لهجر حبيبٍ أو فَقْدِ رقيب.
رأيتُ النجمة الحسناء، برفقة القمر، على شاطئ البحر، فألقت عليَّ نظرة عشق، هزّت كياني، وأيقظت في داخلي السعادة من مرقدها. لكن لحظة الذكرى باغتتني بنظرة حقدٍ من عينٍ غادرة، كادت تعكّر صفوي. إلا أن مسيرتي لا تلبث أن تطرد تلك الظلال، كما يطرد البحر الأوساخ المتراكمة، ويدفنها في عمقه، لا كما يفعل النهر، الذي يحملها أمامه.
وهكذا، سلّمت لي الحياة، لحظاتٍ صافية، لا كدر فيها، ولا منغصات. سلامٌ على قلبي حين ركب البحر وركب أمواجه، سلامٌ للزرقة التي استعارتها السماء للبحر، وسلامٌ للقمر، الذي أضاء لي روحي، واخترق بوهجه أعماق قلبي.
لكن، حين غابت الشمس، وتوسّط الليل سماءه، بدت السماء كفلاةٍ موحشة، خالية من الضوء، لا كوكب يلمع، ولا شعاع يضيء، وكأنّ الليل احتوى الدنيا بظلمته. لا متعة، ولا لذّة، ولا سكينة، بعد غيابك يا قمري. لم أعد أنال من المجد مأربًا، ولا من الجاه مطلبًا.
كنت أعيش في ظلال الرجاء، أُحدّق في السماء، أبحث عن نجمة تبقى. فلم تبقَ معي سوى نجمة الأمل، تلك التي كانت تطربني بأغنيتها الصامتة، وتوقظ هاجسي للكتابة. كنت أبيت ساهرًا، أرتّب الكلمات، وألملم الخواطر، وأصوغها وصفًا لا يقدر عليه شاعرٌ مهما برع في قوافيه. ولم أجد منبرًا يحتويني سوى مجلة “إيفرست الأدبية، التي آمنت بكلماتي، واحتفظت بأسراري في بئر إبداعها العميق. هناك، اكتمل النور، وتحوّل الحلم إلى حقيقة، وصرت نجمًا أديبًا، من الأرقام اللامعة في سماء صرحها الأدبي والفني، الذي يزرع بذور الإبداع ويسقيها حتى تنمو وتُزهر.






المزيد
طائِرٌ في سَماءِ الأدب بقلم الكاتب اليمني محمد طاهر سيار الخميسي.
أندا قطرة بقلم مريم الرفاعي
كاتبٌ بلا حدود بقلم الكاتب محمد طاهر سيار الخميسِي