كتبت ملاك عاطف
إلى_كَنَفاني
“من أرادَ شيئاً فَلْيأخُذهُ بذراعَيْهِ وكَّفَيْهِ وأصابعِهِ.”
قُلتَ هذا ورحلت، كانَتْ هذهِ العِبارةُ مدسوسةٌ بل وكانت كحّباتِ الأرُّزِ الكثيرةِ مرشومةٌ في حَقلِ إبَرِ الّصَحْوةِ اّلَتي نَحْقِنُ بِها أنفُسَنا راضِخينَ كُّلَما قرأنا صفحةً مِن صفحاتِ القَصَصِ في عالَمٍ لَيسَ لنا، كِتابٌ موجِعٌ مِن شِّدةِ واقعِّيَتِهِ، أو واقِعِّيٌ مِن شِّدةِ وجعه، الأمرانِ سِّيان، أتُصَّدِق؟
كَأّنَ كلِماتِكَ كانت تشعُرُ بي؛ فأذِنَتْ لي أن أجولَ بِأصابِعي بَيْنَها في وقتٍ أنا فيهِ صِدقاً في عالمٍ ليسَ لَنا، عالَمٌ غَريبٌ عّنا، عالَمٌ مُخيفٌ بارِدٌ يَرمي قُلوبَنا بِسِهامِ القَلَقِ، ويُعّلِقُ جُثَثَنا في هواءِ العراءِ كتماثيلَ نَصر، ويَفتحُ أفواهَ بنادِقِ العُنفِ؛ لِتَلوكَ حَلاوةَ الأطفالِ وطَراوةَ الّنِساءِ وبركةَ الّشُيوخِ، فَتَكْبُرُ، ثُّمَ. ثُّمَ ماذا في رأيك؟
ثُّمَ تزدانُ بكُّلِ بجاحةٍ بالّرَدم.
يا غّسان، لا هذا عالَمُنا، ولا تِلكَ أرواحُنا، ولا شيءَ هُنا يُشبِهُنا، نكادُ لا نعرِفُنا، يا غّسان، تفّتَتَتِ الأذرُعُ، وطُحِنَتِ الكُفوفُ، وتفّحَمَتِ الأصابِعُ ولَكِّنَها ستظّلُ ممدودةً إلى أن تقطِفَ الحُّرِية.
أتذكُرُ القفصَ الجميلَ اّلَذي تكّسَرَتْ فيهِ أجنِحةُ الحّسونِ وانتفَخَ فيهِ قلبُهُ؟ أتذكُرُ كَيفَ أخفَقَتْ براءةُ حّسان الّصَغيرِ في احتوائِهِ وفهمه؟
غّزتُنا والحَّسونُ سواءٌ، والفرقُ بسيط، غّزةُ ما زالَت تُرَفرِفُ وتجّبِرُ أجنِحَتَها بِطَريقَتِها الخاّصة، وغّزةُ تُقاوِمُ ولها قُدرةٌ على الّتَشّبُثِ في حاّفةِ الحياةِ أعلى مِنَ الحّسون، وكِلاهُما تأّوَهَ حّدَ رغبةٍ إبليسِّيةٍ بالانتِحار!
والقِّطُ الّصغيرُ اّلَذي عَّضَ حَلَمةَ صدرِ القِّطِ الأبيضِ ورضعَ دِماءَهُ ماّصاً إّياهُ باندفاعٍ وجنونٍ جائع، وصَوتُ الّدَمِ المُمتَّصِ بِشَراهةٍ، والإعياءُ اّلَذي أصابَ القِّطَ الأبيضَ، والأملُ اّلَذي في عَيْنَيْه، والّرجاءُ اّلَذي لم يُحّرِك العجوز إّنما مَّتَعَهُ بالمَشهد، نحنُ ذاكَ الأبيض، وما زِلنا نقرأُ الفَلَقِ؛ مُستَعيذينَ مِن شَّرِ الأسوَدِ اّلَذي ما سَلِمَ أحدٌ منه!






المزيد
فِراق بقلم أيثار باجوري.
أبي… سندي الذي لا يميل بقلم خيرة عبدالكريم
رجاء بقلم إسراء حسن عبدالله