مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

لهفة المساء

كتب:محمد صالح 

 

تجتاحُكَ تلك الأَحاسيسْ، تُيْقظكَ تلِكَ النَّبضاتْ التي تتسلَّل بتَسَربُلٍ عَميقْ، لا يمنحُكَ وقتاً كيْ تتوقَّف،تنتابُكَ برفقْ، تتحسسُكَ تلكَ الذَّاكِرة، تجترُّ شرِيطاً طويلاً، تأخذُ وقتاً، تعرِضُ حكاياتٍ متعدِّدة، تترابطُ مع بعضِها، تشكِّلُ سلسلةً مليئة ٌ بالأَحداثْ، تنزعُ منكَ خواطر َ جمَّة، تواصلُ فيكَ التَّمترسْ، تعزفُ أَلحاناً خاصَّة، وتعربدُ فِيكَ روحكْ، وتغازل ُ المحيَّا، وترتِّبُ لحدثٍ عظيمْ، تدبُّ في مَخيِلَتِكْ جيئةً وذهاباً؛ قِصصٌ أبطالُها حاضِرون بشكلِ قوي.

 

وتقفُ أحياناً تعدِّدُ مواقفَ بِعيْنِها، تتبعاضُكَ في زُهولٍ وصمت، تتحسَّرُ علي بعضِها، تسوقكَ شواهدكَ بعيداً، ترتعُ في ملاهي وغَمَراتٌ وأَمنياتٌ متعدِّدَة، تبعثكَ إلهاماً وشرودْ، وتتواردكَ وعداً وتمنِّي،تنشُدكَ أغنيات، وتتحايل عليكَ ذكريات، وتتنهَّدُ وتُهمهِم،وتنظرُ بعيداً لتغزلَ تلكَ الخُيوط، وتُقيم حولها قواسم مُشتركة، ويعجبكَ المنظَرْ، وتُبهركَ هولَ المفاجأة، وتقول:

ياه! هذهِ لحظاتي التي عشتُها، وتسأَل نفسك، كيفَ أَعيشُ هكذا؟

وتأَتي الإِجابة ؛ تلك اللَّحظاتُ هي حياتي فعلاً.

 

رغم أنَّكَ تجلس هنا مستلقِياً، إلا أنكَ تروحُ مسافاتٍ بعيدة، وتعدِّد المحطَّات، وتذهبُ كلَّ تلك المعاني بكَ الي أعماقك، تخالجكَ في توجُّه عميق، كأنَّها تبحثُ وفاءاً، أو صدقاً، أم يقيناً، وفي كلٍّ تصلُ الي ما يفيدُ المتعةَ الرُّوحيَْة العجيبة ، فتسوقكَ في صفاءٍ ممتاز يعجزكَ وصفُهُ النادر، إلا أنَّها ممدَّدة بِنجاح في سرادِق المواقف ونقاط التحوّل.

 

وتستمر هذه اللَّواعج لتفتِّر فيك المقاومة، تسرجُ فيك كافَّة أنواع الوِفاض، ترتاحُك فِكرة، تحيلكَ إلى حالة من التنويم المغنطيسي، تُبهجك زفراتها، تُحي فيكَ أملاً، تعيدُ فيكَ سألاً، تواعدُ فيكَ رتلاً من الكلمات، تتغمَّس فيكَ شخصاً، تبحرُ بكَ بعيداً، تأسِركَ عشقاً، وتتحامل عليك، وتزكي تلكَ الخوالد البهيَّة، وتمجِّد ذاك الشعور الخلاَّق، وتلوذُ بك إلى موائد مُختلفة، لتَرنو مشكِّلةً لوحةً تتبدَّي في حين، وتحتار ، لمَن تكون هذه اللَّهفة؟! منَ الذي يستاهل منِّي كلَّ تلكَ البَّراحات؟ ويحتلُّ في شخصِي هذه المساحات،؟ ويغتالني عواطف وإحساس وشعور؟

ما هذا الإعياء؟ ويسرحُ الفكر حتي تختلِي الرُّوحُ بالجَّسد، وتهمُّ الوجدانيَّات بالرَّحيل وتعبثُ المكوِّناتْ بقوَّة وجدليَّةَ الإِختيار، وتتقاطع الوشاياتْ مسطِّرة هيكلٍ ما، تَظهر معالمهُ شيئاً فشيئاً، وسرعان ما تتبلَّج تلكَ المظاهرُ خفيةً لتعلنَ عن صاحبِ اللَْهفة، وتتمدَّد في الحنايا، تُزكي رُوح السعادة، تُنبئ كلُّ تلك التَّواليف حركة ساحرة تتجسَّد في ذاكَ الذي يعنيها بدقَّة لتكون هذه اللَّهفة لهُ.

 

لهفة المساء لوحة نادرة، تتشكَّلْ وَسَطَ أَجواء مِن الهدوء والتَّلاقِي الشعوري والحسي والفكري، وإنثلام الوعي ليرسم بريشة الذُّاكرة وعداً يستحق التلهُّف له، سهام قسماتهُ وردُود وصدي أفعالهُ الصَّادقة والمُؤثِّرة، وإِمتداد هذا التأثير، عوامل الحضور التي ما زالت تشكِّل الحاضر، كلَّها تبعث برسالة مضمونها، أَنَّ لهفة المساء لا يستحقَّها غَيرُك.

 

قَد تكون هذهِ اللَْهفة للأَب، الأُم، الإبن، الصَّديق، الزَّوج، الزَّوجة، الحبيب، وغيرهم إِلا أَنَّ الأمانةَ والتعمُّق هُما الرُْكنان الأساسيَّان،الذَّينِ يلعبان دوراً مهمّّاً في خارِطة التوقّفْ الرُْوحي المُتوهِّج.