كتبت ملاك عاطف
هذه المرّة، تمرّدت الأحاسيسُ على الأفكار، وانتصرت العاطفةُ على النّيّة، وأفلتت الأزرارُ مقودها من تحت أصابع قلمي، وجثم الوجعُ الوطنيُّ على الفأل الوثّاب، وهرعت الكلمات إلى نار القهر، ولحقتها النّصوص الشّاعريّةُ كلّها إلى صحراء الخذلان.
لا أعلمُ إن كانت قد حكمت على نفسها بالموتِ حرقًا، أو طعنًا بسيوف القحطِ في الخلاء، لا أعلمُ إن كانت قد أصيبت بنبالِ جيشانِ مشاعري، أم أنّها ترتّبُ أوراق خطواتها؛ لتصطفَّ عائدةً إلى مسارِها في أُفُقِ النّصّ الّذي كان يتجهّزُ أمامَ مرآةِ الّلغة ويضعُ مساحيقَ التّشبيهات؛ كي يختارهُ قلمي، ويرقصَ معهُ على منصّةِ البياضِ الصّافي في حفلِ الكتابة هذا اليوم. لكنّ عبرات الصّدمة سالت على وجنات التّراكيب، واحمرّت عيونُ الحروف، وتاهَ النّصُّ في غمراتٍ لا مُتناهيةٍ من الاندثار.
حدثَ هذا كلّه؛ لأنّ الحزنَ رانَ على قلبي في اللّحظةِ الّتي هممتُ فيها بالكتابة، كانت روحي على علمٍ بقدومه، وأعدّت لهُ كلّما يشتهيه من أصناف الأسى، والألم، ومالح الدّمعات، ورحّبت به ضيفًا ثقيلًا؛ فأهداها ذبولًا من انكسارٍ وفراغ!
أوقفوا الحربَ في لبنان، ووصلتهم برقيّات تحميدِنا، أمّا نحن، فلم تطلنا تربيتةُ وقفِ إطلاقِ النّار.
ستمسحُ على رأسِ بيروت، وستقبّلُ يدَ بعلبك، وستحتضنُ الجنوب، وستدفئُ شتاءهم الشّريد.
أمّا نحنُ، فما زلنا تحتَ أقدامِ الحربِ الملعونة، تورم رأس البلاد، وتمرّغ وجهها الطّاهر بالدّماء، وستكسر يدها بشاكوش القصف، وسترمي شتاءها بشتاءاتٍ أُخر؛ كي تغرقَ في صقيعٍ وخوفٍ يقطّعُ أنفاسها، وتأوي كسيحةً إلى فناء فسيح، لكنّها لن تفعل، بل سترتدي أرواحنا قبّعات، وستصنعُ من جراحنا ليدها جبيرة، وستغسلُ طهورَ وجهها بدمعِ قهرنا، وستستندُ على صبرنا، وستبقي لنا طولَ الانتظار.
وسندمِنُ البقاءَ فيها، ومعها ولها، وسنظلُّ نلوّحُ للسلامِ إلى أن يرانا ويخسأَ الأشرار.






المزيد
البعدُ قتال بقلم مروة الصاوي علي عبدالله
لـو كـان بإمكانـي بقلـم الكـاتبـة نُسيـبة البصـري
أنت وأنا، بشر بقلم مريم أشرف فرغلي