لم أتجاوز العشرين
الكاتب هانى الميهى
من كتاب كل هذه القوة تجعلني أختنق
الفصل الثالث عشر
كان الجميع يحسب عمره بالطريقة نفسها. ينظرون إلى تاريخ ميلاده، ثم يبتسمون ويقولون: “ما زلت فى بداية العمر.” ولم يكن يعترض على كلامهم، لكنه كان يعرف أن هناك أعمارًا لا تُكتب فى بطاقات الهوية، ولا تظهر فى الملامح، ولا يحسبها أحد.
كان يشعر أحيانًا أنه عاش ما يكفى لعدة حيوات. ليس لأن السنوات كانت طويلة، بل لأن كل سنة حملت من الأسئلة والخسارات ما يكفى لعقد كامل. بعض الناس يكبرون لأن الزمن يمضى، وآخرون يكبرون لأن الحياة لا تمنحهم فرصة ليكونوا صغارًا.
لم يسرق منه الألم شبابه، لكنه سرق بساطته. لم يعد ينظر إلى الأشياء بعين من يكتشفها للمرة الأولى، بل بعين من جرب أن يخسرها. صار يفرح بحذر، ويحب بحذر، ويحلم بحذر، وكأن التجارب علمته أن لكل فرحة ثمنًا، ولكل بداية احتمالًا للنهاية.
وكان أكثر ما يوجعه أن الناس كانوا يرون سنه، ولا يرون ما مر به. فإذا تعب، قالوا: “ما زلت صغيرًا.” وإذا صمت، قالوا: “ستفهم الحياة عندما تكبر.” ولم يعلموا أن بعض القلوب تكبر قبل أصحابها، وأن بعض الأرواح تشيخ من كثرة ما احتملت، لا من كثرة ما عاشت.
لم يكن يريد أن يبدو أكبر من عمره، ولا أن يثير الشفقة. كان يتمنى فقط أن يفهم أحد أن التعب لا يسأل عن عدد السنوات. فالحياة لا توزع أثقالها بالتساوى، ولا تؤجل وجعها حتى يكبر الإنسان. قد تطرق بابك مبكرًا، وتجبرك على أن تتعلم ما كان يجب أن تتعلمه بعد زمن طويل.
ومع ذلك، لم يكن يشعر بالندم على ما عاشه. فقد أدرك أن التجارب القاسية لا تمنح الإنسان عمرًا أطول، لكنها تمنحه عينًا ترى ما لا يراه كثيرون. يصبح أكثر إنصاتًا، وأكثر رحمة، وأكثر فهمًا للوجوه التى تبتسم بينما تخفى معاركها.
وحين نظر إلى نفسه يومًا، لم يسأل: “كم أصبح عمرى؟” بل سأل سؤالًا آخر: “كم نسخة منى رحلت حتى وصلت إلى هنا؟” وعرف أن الإنسان لا يبقى الشخص نفسه مهما حافظ على اسمه. فكل خسارة تأخذ جزءًا، وكل نجاة تعيد تشكيل جزء آخر، حتى يصبح فى النهاية مزيجًا من كل ما مر به.
عندها فهم أن العمر ليس عدد السنوات التى عشناها، بل عدد المرات التى اضطررنا فيها إلى أن نبدأ من جديد، ونحن نظن أننا لم تعد لدينا القدرة على البداية.
ولذلك، لم يكن قوله: “لم أتجاوز العشرين” شكوى من قِصر العمر، بل دهشة من كثرة ما حمله هذا العمر القصير. كأن الزمن نسى أن يوزع أيامه عليه بالتدريج، فألقاها كلها فى قلب واحد، ثم مضى.
رسالة الفصل
قد يكون الإنسان صغيرًا فى عمره… لكنه كبير بما اضطر إلى احتماله.
تمهيد الفصل القادم
وبعد كل هذه الرحلة، لم يعد هناك ما يستحق الإخفاء.
بقيت جملة واحدة فقط…
“كان ذلك صعبًا.”
الفصل الرابع عشر: كان ذلك صعبًا.






المزيد
نحن لا نحب أحداً بقلم نجم الدين معتصم
وبأيدينا كتبنا تاريخنا بقلم عبير عبد المجيد الخبيري
بعد الخيانة بقلم الكتابة بثينة الصادق