مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

لماذا نتعاطف مع المظلوم ولا نساعده؟

كتب المهيري بنعيسى:

 

نحن شعب عجيب. نبكي على المظلوم، ونغضب للقضية، ونكتب تعليقات النار، ونشارك منشورات الحزن. ولكن عندما يأتي وقت الفعل، نتلاشى. لا نحرك ساكناً، ولا ندفع مالاً، ولا نتحرك خطوة. لماذا؟ لأن التعاطف سهل، والفعل صعب. لأن التعاطف لا يكلفنا شيئاً، والفعل يكلفنا الوقت والجهد والمال، وأحياناً يضعنا في الخطر.

 

نحن نخلط بين شيئين: العاطفة والعمل. العاطفة أن تبكي. العمل أن تتحرك. القرآن يفضح هذا التناقض بوضوح: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾. الله لا يسأل عن دموعنا، يسأل عن تحركنا. يقول: لماذا لا تقاتلون؟ لماذا لا تتحركون والمستضعفون يصرخون؟

 

النبي ﷺ لم يكن متفرجاً عاطفياً. كان يتحرك. هاجر، وقاتل، وأنفق، وضحى. كان يحمل هم المظلوم قبل أن يبكي عليه. قال عن المظلوم: “دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب”. لكنه لم يتوقف عند الدعاء، بل كان يبحث عن حل. أرسل السرايا، وفادى الأسرى، وآوى المهاجرين.

 

نحن اليوم نستعمل منصات التواصل كمسكن للضمير. نكتب #ناصرونا ثم ننام مرتاحين. كأن التعليق يغني عن الفعل. وهذا وهم. لأن المظلوم لا يحتاج إلى تعاطفنا، يحتاج إلى فعلنا. يحتاج إلى مال، إلى سلاح، إلى طعام، إلى من يقف معه في الشارع لا في الشاشة.

 

قد تقول: أنا لا أملك شيئاً، ماذا أفعل؟ الجواب: أنت تملك دعوة صادقة في جوف الليل، وتملك كلمة حق في وجه ظالم، وتملك مالاً ولو قليلاً، وتملك وقتاً تتعلم فيه كيف تنصر، وتملك صوتاً لا يصمت. قال النبي ﷺ: “من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان”. هناك درجات، لكن السقوط في القاع هو البقاء في القلب فقط.

 

المشكلة أننا حولنا القضية إلى “مشاعر نشاركها”، بدل “مسؤولية نتحملها”. نبكي وننسى. نغضب ونهدأ. نتعاطف ثم ننتقل إلى الفيديو التالي. وكأن المظلوم مجرد محتوى.

 

أما المؤمن الحق، فقضيته لا تنتهي بانتهاء الفيديو. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. الأنصار آثروا غيرهم على أنفسهم مع حاجتهم. ليس تعاطفاً، بل إيثاراً. ليس دموعاً، بل تضحية.

 

ختاماً، تذكر: المظلوم لا يحتاج إلى شفقتك، يحتاج إلى نصرتك. لا يحتاج إلى تعليقك، يحتاج إلى وقوفك. لا يحتاج إلى دمعتك، يحتاج إلى خطوتك. اسأل نفسك قبل النوم: ماذا فعلت اليوم للمظلومين؟ ليس ماذا شعرت، بل ماذا فعلت. فإن لم تجد شيئاً، فاعلم أنك جزء من دائرة الصمت التي قتلت أكثر مما قتلت السيوف.