لماذا تخاف أن تخسر صورتك؟
الكاتب هانى الميهى
مَنْ يُقَرِّرُ عَنْكَ؟
الفصل التاسع
كان واقفًا أمام المرآة قبل أن يخرج.
عدّل ياقة قميصه.
نظر إلى شعره.
ثم ابتعد خطوة.
عاد ونظر مرة أخرى.
لم يكن هناك شيء يحتاج إلى تعديل.
لكنه لم يكن يبحث عن شيء فى شكله.
كان يبحث عن إجابة لسؤال لا يقوله بصوت:
كيف سأبدو أمامهم؟
أمسك هاتفه.
كتب جملة.
قرأها.
حذفها.
كتب أخرى.
توقف.
ثم نشرها.
بعد دقائق، عاد ليرى من قرأها.
ومن أعجب بها.
ومن لم يعلق.
لم يكن ينتظر معلومة.
كان ينتظر شيئًا آخر.
كان ينتظر أن يشعر أنه ما زال مقبولًا.
قد يبدو الأمر بسيطًا.
صورة.
منشور.
ملابس.
سيارة.
وظيفة.
كلمة.
لكن الإنسان قد يصل إلى مرحلة لا يعود فيها يعيش حياته فقط…
بل يعيش صورتها أمام الآخرين.
يختار ما يلبسه، لا لأنه يحبه، بل لأنه يناسب الصورة التى يريد أن يظهر بها.
يتحدث بطريقة معينة.
يضحك فى الوقت المناسب.
يخفي حزنه.
لا يعترف بخطئه.
ولا يقول «لا أعرف».
ليس لأنه لا يريد.
بل لأنه يخاف أن تسقط الصورة.
الصورة التى صنعها الإنسان عن نفسه قد تصبح أقوى من نفسه.
إذا كنت دائمًا الرجل القوى، سيصبح الاعتراف بالتعب تهديدًا.
إذا كنت دائمًا الناجح، سيصبح الفشل فضيحة.
إذا كنت دائمًا العاقل، سيصبح الاعتذار صعبًا.
إذا كنت دائمًا الكريم، ستخاف أن تقول «لا».
إذا كنت دائمًا الشخص الذى يساعد الجميع، ستشعر بالذنب حين تحتاج إلى من يساعدك.
وهكذا…
لا يعود الإنسان يحافظ على نفسه.
بل يحافظ على الشخصية التى اعتاد الناس أن يروها.
وقد يبدأ الأمر منذ الطفولة.
طفل يسمع:
«أنت ولد شاطر.»
فيحب أن يكون شاطرًا دائمًا.
ثم يكبر.
يخاف أن يخطئ.
يخاف أن يسأل.
يخاف أن يقول:
«لا أعرف.»
لأن الجملة الصغيرة أصبحت فى داخله تهديدًا لصورة قديمة:
أنا الذى يعرف.
طفلة يسمونها دائمًا:
«العاقلة.»
فتتعلم أن تكتم غضبها.
أن تتحمل.
أن لا تشتكى.
أن تكون دائمًا بخير.
ثم تكبر…
ولا تعرف كيف تقول:
«أنا متعبة.»
الصورة القديمة لم تعد مجرد وصف.
أصبحت سجنًا.
وقد يكون أكثر ما يؤلم فى الأمر أن الناس لا يطلبون منك دائمًا أن تكون هذه الصورة.
أنت من يطلبها من نفسك.
الناس قد يتقبلون ضعفك أكثر مما تتوقع.
قد ينسون خطأك أسرع مما تتخيل.
وقد لا يهتمون أصلًا بما تعتبره أنت كارثة.
لكن لأنك تراقب نفسك بعين قاسية، تتخيل أن الجميع يفعل الشيء نفسه.
وهكذا يصبح داخلك جمهور كامل…
لا يغادر.
تخطئ فى اجتماع.
تقول كلمة غير مناسبة.
ثم تعود إلى بيتك.
ينتهى الاجتماع بالنسبة للجميع.
لكن بالنسبة لك يبدأ من جديد.
تعيد الجملة.
تتذكر وجه فلان.
تتخيل ما قاله عنك بعد خروجك.
تقول:
«كان يجب أن أقول كذا.»
ثم تتخيل كيف أصبحت صورتك فى عيونهم.
قد يكون الآخرون نسوا الأمر أصلًا.
وأنت ما زلت تعاقب نفسك عليه.
ليس بسبب الخطأ.
بل بسبب الصورة التى تعتقد أن الخطأ صنعها عنك.
وهنا نحتاج إلى التمييز بين أمرين.
أن تحافظ على سمعتك…
وأن تصبح عبدًا لها.
السمعة مهمة.
والإنسان مسؤول عن سلوكه.
ومن حقك أن تحافظ على احترامك.
لكن حين يصبح أهم شيء عندك هو ألا يراك أحد مخطئًا، ستبدأ فى ارتكاب أخطاء أكبر حتى تحافظ على صورة أنك لا تخطئ.
قد تكذب.
قد تخفي.
قد تبرر.
قد تلقي المسؤولية على غيرك.
وقد تظلم شخصًا بريئًا…
فقط لأن الاعتراف سيؤلم صورتك.
وهنا تصبح الصورة أغلى من الحقيقة.
كم مديرًا أخطأ فى قرار ثم رفض الاعتراف؟
ليس لأنه لا يعرف أنه أخطأ.
بل لأنه يخاف أن يقول الموظفون:
«مديرنا لا يعرف.»
فيستمر فى القرار.
ويضيف إليه قرارًا آخر.
ثم ثالثًا.
حتى يصبح الخطأ مؤسسة كاملة.
كان يستطيع أن يقول:
«أخطأت.»
وينتهى الأمر.
لكن كبرياء الصورة منعه.
وكم أبٍ لا يعتذر لابنه؟
يقول فى داخله:
«إذا اعتذرت، سيقل احترامه لى.»
والحقيقة قد تكون العكس.
قد يتعلم الابن من اعتذار أبيه أن القوة لا تعنى العصمة.
وأن الإنسان يستطيع أن يقول:
«كنت مخطئًا.»
دون أن يفقد قيمته.
لكن الأب الذى يربط الاحترام بعدم الخطأ، سيحرم نفسه وأبناءه درسًا لا تعطيه الكلمات.
وفى الإيمان معنى عميق هنا.
فالإنسان لا يحتاج أن يكون كاملًا أمام الناس.
هو أصلًا ليس كاملًا.
والتظاهر بالكمال قد يكون أكثر إنهاكًا من مواجهة النقص.
الله يعلم ضعفك قبل أن تخبر أحدًا به.
يعلم خوفك الذى تخفيه.
يعلم الخطأ الذى تحاول أن تنساه.
يعلم ما بينك وبين نفسك.
ولهذا لا معنى لأن تبنى حياتك كلها على محاولة إقناع الناس بصورة لا يعرف الله حقيقتها أصلًا.
قد يصفق لك الناس…
لكن الله يعلم نيتك.
وقد يلومك الناس…
والله يعلم أنك حاولت.
وقد يراك أحدهم قويًا…
بينما أنت تعرف كم مرة سقطت.
ولهذا لا ينبغي أن يكون ميزان الإنسان الوحيد:
كيف يروننى؟
بل:
من أنا حين لا يراني أحد؟
هناك تبدأ الحقيقة.
وهذا السؤال مخيف.
لأن الإنسان يستطيع أن يخدع الآخرين.
يمكنه أن يرتدى الملابس المناسبة.
يستخدم الكلمات المناسبة.
ينشر الصور المناسبة.
يبتسم فى الوقت المناسب.
لكن من الصعب أن يخدع نفسه طويلًا.
حين يغلق الباب.
حين يطفئ الهاتف.
حين لا يكون هناك جمهور.
هناك فقط هو…
ونفسه.
وقد تكون بعض أكثر القرارات ظلمًا للنفس هى القرارات التى نتخذها حتى لا نبدو سيئين.
تبقى فى علاقة لأن الرحيل سيجعلك «الشخص القاسى».
تقبل ظلمًا لأن الاعتراض سيجعلك «صعبًا».
تعمل فوق طاقتك لأن الرفض سيجعلك «غير متعاون».
تسكت عن حقك لأن المطالبة به ستجعلك «ماديًا».
تتنازل عن حلمك لأن البدء من جديد سيجعلك «متهورًا».
ثم تعود إلى بيتك…
وتشعر أنك تختنق.
لماذا؟
لأنك كنت تحمى صورتك أمام الآخرين…
على حساب حقيقتك أمام نفسك.
وهنا تظهر مفارقة مؤلمة:
قد تخسر نفسك حتى لا تخسر صورتك.
تتنازل عن راحتك.
عن حدودك.
عن وقتك.
عن رأيك.
عن رغبتك.
ثم تقول:
«المهم ألا يسيئوا فهمى.»
لكن الناس قد يسيئون فهمك رغم كل ما فعلت.
وقد يحكمون عليك رغم حسن نيتك.
وقد يتحدثون عنك رغم صمتك.
فإذا كان سوء فهمهم حتميًا أحيانًا…
فلماذا تمنحهم حياتك؟
لا يعنى ذلك أن تقول:
«لا يهمنى كلام أحد.»
فهذه الجملة قد تخفى وراءها غرورًا.
نحن بشر.
نتأثر.
نحزن.
نحتاج إلى القبول.
وهذا طبيعى.
لكن النضج ليس أن تتوقف عن التأثر.
النضج أن لا تجعل التأثر قرارًا.
قد يحزنك أن يرفضك شخص.
لكن لا تجعل الرفض يحدد قيمتك.
قد يؤلمك أن ينتقدك أحد.
لكن لا تجعل النقد يحدد حقيقتك.
قد يسيء شخص فهمك.
لكن لا تقضِ حياتك كلها فى محاولة إقناعه.
وأحيانًا يكون التحرر بسيطًا جدًا.
أن تقول:
«لا أعرف.»
أن تقول:
«أخطأت.»
أن تقول:
«لا أستطيع.»
أن تقول:
«لا أريد.»
أن تقول:
«أحتاج إلى مساعدة.»
خمس جمل صغيرة.
لكنها ثقيلة على الإنسان الذى قضى عمره فى بناء صورة مثالية.
لأن كل جملة منها تسحب حجرًا من الجدار.
وقد تتفاجأ بشيء:
حين تسمح لنفسك بأن تكون إنسانًا…
يصبح الناس أقل قسوة مما توقعت.
الشخص الذى تحبه قد يقول:
«كنت أعرف أنك متعب.»
الصديق قد يقول:
«وأخيرًا قلتها.»
الموظف الذى تخشى حكمه قد يحترم شجاعتك.
والابن الذى تخشى أن يقل احترامه لك قد يقترب منك أكثر.
لأن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى بطل.
أحيانًا يحتاج إلى إنسان صادق.
ولعل أخطر ما تفعله الصورة أنها تمنعك من طلب النجدة.
الغريق الذى يخشى أن يبدو ضعيفًا قد يرفض اليد الممتدة إليه.
ليس لأنه لا يحتاجها.
بل لأنه يريد أن يظل فى نظر نفسه قويًا.
لكن ما قيمة القوة التى تمنعك من النجاة؟
ما قيمة أن يراك الناس صلبًا…
بينما أنت تغرق؟
وفى الحياة العملية، هناك مديرون يرفضون التفويض لأنهم يريدون أن يظهروا أنهم يعرفون كل شيء.
هناك موظفون لا يسألون عندما لا يفهمون.
هناك أصحاب مشروعات لا يستعينون بأحد لأنهم يخافون أن يظهروا عاجزين.
ثم يدفع الجميع الثمن.
المؤسسة تتعطل.
والفريق يضطرب.
والشخص نفسه ينهار تحت الحمل.
كل ذلك من أجل صورة:
أنا أستطيع كل شيء.
بينما الحقيقة الأكثر احترافية أحيانًا:
أنا لا أستطيع وحدى.
وهذه ليست هزيمة.
هذه إدارة.
قد يكون الإنسان الذى يعرف حدوده أقوى من الذى ينكرها.
والقائد الذى يعترف بخطئه أكثر أمانًا من القائد الذى يخاف الاعتراف.
والأب الذى يعتذر أكثر تربية من الأب الذى يفرض هيبته.
والإنسان الذى يستطيع أن يقول «لا أعرف» قد يكون أكثر صدقًا من شخص يملأ العالم بإجابات لا يعرفها.
وهنا يبدأ الإنسان فى استعادة شيء مهم:
الحق فى أن يكون نفسه.
ليس النسخة التى يحبها الجميع.
ولا النسخة التى يفتخر بها على مواقع التواصل.
ولا النسخة التى يريد والده أن يراها.
ولا النسخة التى تخاف زوجته أن تتغير.
ولا النسخة التى يريد مديره أن تعمل بلا توقف.
بل الإنسان الحقيقى.
الذى يخطئ.
ويتعب.
ويتعلم.
ويعتذر.
ويبدأ.
ويفشل.
ثم يحاول مرة أخرى.
قد تكتشف أن الصورة التى تخاف فقدانها لم تكن لك أصلًا.
ربما صنعها الآخرون.
وربما ساعدتهم أنت.
لكنها ليست أنت.
أنت أكبر من المنصب.
وأعمق من المال.
وأوسع من رأى شخص فيك.
وأكثر تعقيدًا من نجاح واحد.
وأكثر رحمة من خطأ.
وأكثر قيمة من فشل.
ولهذا لا تجعل صورة عابرة تختصر إنسانًا كاملًا.
وفى النهاية…
سيأتى يوم تدرك فيه أن الناس لم يكونوا يراقبونك كما كنت تتخيل.
كان كل واحد منهم مشغولًا بصورته هو.
كل شخص يحمل مرآته الخاصة.
كل واحد يخاف أن يراه الآخرون بطريقة لا يحبها.
وأنت كنت تفعل الشيء نفسه.
تراقب نفسك.
وتراقبهم.
ويظل الجميع متعبين من لعبة لا أحد أعلن قواعدها.
ربما آن الأوان أن تخرج منها.
لا بأن تتوقف عن الاهتمام بالناس.
بل بأن تتوقف عن العيش من أجل أعينهم.
أن تكون محترمًا دون أن تكون أسيرًا للقبول.
أن تكون ناجحًا دون أن تحتاج إلى إثبات دائم.
أن تعتذر دون أن تشعر أنك انهرت.
أن تخطئ دون أن تكره نفسك.
وأن تنظر إلى المرآة يومًا…
ولا تسأل:
«هل سيحبون ما يرونه؟»
بل تسأل:
«هل أنا راضٍ عن الإنسان الذى أصبحته؟»
فإذا كانت الإجابة نعم…
فلن تحتاج إلى جمهور كبير.
وإذا كانت الإجابة لا…
فلن ينقذك تصفيق العالم.
رسالة الفصل
لا تجعل صورتك أمام الناس أغلى من حقيقتك أمام نفسك؛ فالإنسان الذى يقضى عمره فى حماية صورته قد يكتشف متأخرًا أنه كان يحرس قناعًا ويهمل وجهه الحقيقى.
تمهيد الفصل العاشر
وحين يسقط القناع، قد تظهر أشياء أخرى أخفيناها تحته طويلًا.
خطأ لم نرتكبه وحدنا.
ذنب حملناه لأن أحدًا أقنعنا أنه ذنبنا.
علاقة جعلتنا نشعر أننا السبب فى كل شيء.
طفولة تركت داخلنا شعورًا دائمًا بأننا مقصرون.
ومواقف قديمة ما زالت تحاكمنا كلما حاولنا أن نعيش.
قد يحمل الإنسان حقيبة كاملة من الذنب…
ثم يمشى بها سنوات، دون أن يسأل:
هل كل ما أحمله يخصنى؟
ومن هنا يبدأ الفصل العاشر:
الذنب الذى لم يكن ذنبك






المزيد
مشوارٌ بين السهل والمستحيل بقلم ابن الصعيد الهواري
حين لا يكفي الصمت بقلم الكاتب فلاح كريم العراقي
صفحات طُويت بقلم آية طلعت