كتب عبد الرحمن شعبان سعد:
من المؤلم أن ترى إنسانًا يمتلك قدرات ومواهب وإمكانات كبيرة، لكنه لا يرى في نفسه سوى نقاط الضعف والقصور. فهناك أشخاص قادرون على النجاح والإنجاز وتحقيق أهداف كثيرة، ومع ذلك يعيشون في صراع دائم مع أنفسهم بسبب ضعف الثقة بالنفس. والأكثر غرابة أن المشكلة في كثير من الأحيان لا تكون في نقص القدرات، بل في طريقة رؤية الإنسان لنفسه.
لقد أصبحت أزمة الثقة بالنفس من المشكلات المنتشرة في المجتمع، خاصة مع كثرة المقارنات وضغوط الحياة والتوقعات المرتفعة التي يضعها البعض لأنفسهم. فكلما نظر الإنسان إلى ما حققه الآخرون دون أن يلتفت إلى ما حققه هو، بدأ يشعر أنه أقل منهم حتى وإن كانت الحقيقة غير ذلك.
ومن أسباب فقدان الثقة بالنفس أيضًا التركيز المستمر على الأخطاء وإهمال الإنجازات. فبعض الأشخاص ينجحون في أمور كثيرة لكنهم يتذكرون إخفاقًا واحدًا فقط، فيجعلون منه دليلًا على الفشل ويغفلون عشرات النجاحات الأخرى التي حققوها.
كما أن الكلمات السلبية التي يسمعها الإنسان منذ الصغر قد تترك أثرًا طويلًا في داخله، خصوصًا إذا تكررت باستمرار. فالنقد الجارح والتقليل من القدرات وعدم التشجيع قد تجعل الشخص يشك في نفسه حتى بعد أن يكبر ويصبح قادرًا على الإنجاز.
وتزيد مواقع التواصل الاجتماعي من هذه المشكلة عندما تجعل البعض يعتقد أن الآخرين يعيشون حياة مثالية مليئة بالنجاح والسعادة، فيبدأ بمقارنة واقعه بما يراه أمامه، فيشعر بالنقص رغم أنه قد يمتلك من النعم والقدرات ما لا يملكه كثيرون.
لكن الحقيقة أن الثقة بالنفس لا تعني الكمال، بل تعني أن يعرف الإنسان نقاط قوته ونقاط ضعفه، وأن يؤمن بقدرته على التعلم والتطور والتحسن مع مرور الوقت. فالإنسان الواثق بنفسه ليس من لا يخطئ، بل من لا يسمح للخطأ أن يهدم إيمانه بقدراته.
الحلول العملية والإيجابية
التركيز على الإنجازات مهما كانت بسيطة
التوقف عن المقارنة المستمرة بالآخرين
التعامل مع الأخطاء باعتبارها فرصًا للتعلم
تطوير المهارات والقدرات بشكل مستمر
مرافقة الأشخاص الإيجابيين الذين يقدمون الدعم والتشجيع
تجنب الاستماع للكلمات المحبطة والاستسلام لها
تذكر النعم والقدرات التي يمتلكها الإنسان بدلًا من التركيز على ما ينقصه
الرؤية الإسلامية
قال الله تعالى
﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾
سورة الإسراء الآية 70
وقال سبحانه
﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾
سورة آل عمران الآية 159
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
« المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير »
رواه مسلم
وقال صلى الله عليه وسلم
« احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز »
رواه مسلم
الرؤية المسيحية
جاء في الإنجيل
« أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني »
رسالة فيلبي 4 : 13
وجاء أيضًا
« لأن الله لم يعطنا روح الفشل بل روح القوة والمحبة والنصح »
رسالة تيموثاوس الثانية 1 : 7
وتوجد في الإسلام والمسيحية دعوة إلى أن يعرف الإنسان قيمته الحقيقية وأن يؤمن بما منحه الله من قدرات ومواهب، وأن يستخدم هذه النعم في الخير والعمل والبناء، فالثقة بالنفس لا تعني الغرور وإنما تعني إدراك قيمة ما يملكه الإنسان من إمكانات والسعي لتطويرها والاستفادة منها.
وفي النهاية فإن كثيرًا من الأشخاص الذين غيروا حياتهم وحققوا نجاحات كبيرة لم يكونوا الأفضل منذ البداية، لكنهم كانوا يؤمنون بقدرتهم على التعلم والتقدم. لذلك لا تجعل الأخطاء أو الإخفاقات المؤقتة تحكم على مستقبلك، ولا تنظر إلى نفسك بعين تقلل من قيمتك. فلكل إنسان قدرات خاصة وطاقات قد لا يدرك حجمها إلا عندما يمنح نفسه فرصة حقيقية للمحاولة والنمو والنجاح.






المزيد
كتاب: رفيق للطريق
القلبُ والعقلُ معًا
مقولات يومية مع عبدالرحمن