كتب عبد الرحمن شعبان سعد:
في السنوات الأخيرة أصبحت الشهرة حلمًا يطارد الكثير من الناس، خصوصًا مع الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي التي جعلت الوصول إلى ملايين الأشخاص أمرًا ممكنًا بضغطة زر. ولم يعد السؤال عند البعض: ماذا أستطيع أن أقدم للمجتمع؟ بل أصبح: كيف أجعل الناس تعرفني؟ وهنا تظهر واحدة من القضايا الاجتماعية المهمة التي تستحق التأمل، وهي تحول الشهرة في نظر بعض الأشخاص إلى هدف بحد ذاته بدلًا من أن تكون نتيجة طبيعية للنجاح والإنجاز.
في الماضي كان الإنسان يسعى إلى التفوق في عمله أو علمه أو موهبته، ثم تأتي الشهرة بعد ذلك بشكل تلقائي نتيجة لما قدمه من جهد وقيمة حقيقية. أما اليوم فقد أصبح البعض يسعى إلى الشهرة أولًا بأي وسيلة ممكنة، حتى وإن لم يكن هناك إنجاز حقيقي أو رسالة مفيدة أو هدف واضح وراء ذلك.
ومن أسباب انتشار هذه الظاهرة أن مواقع التواصل تعرض يوميًا نماذج لأشخاص حققوا شهرة واسعة في وقت قصير، مما يجعل البعض يظن أن الشهرة وحدها هي المقياس الحقيقي للنجاح. كما أن الرغبة في الحصول على الإعجاب والاهتمام والتقدير من الآخرين قد تدفع بعض الأشخاص إلى التركيز على الظهور أكثر من التركيز على تطوير أنفسهم.
وتكمن المشكلة في أن الشهرة السريعة قد تمنح صاحبها انتشارًا مؤقتًا لكنها لا تمنحه بالضرورة قيمة حقيقية أو تأثيرًا مستدامًا. فالتاريخ لا يتذكر الأشخاص بسبب عدد المتابعين الذين امتلكوهم، بل يتذكرهم بسبب ما قدموه من علم أو فكر أو عمل أو خدمة للناس.
كما أن السعي المستمر وراء الشهرة قد يجعل الإنسان يعيش تحت ضغط دائم بحثًا عن المزيد من الاهتمام والتفاعل، وقد يدفعه أحيانًا إلى تقديم محتوى لا يشبهه أو القيام بتصرفات لا تعبر عن شخصيته فقط من أجل جذب الانتباه.
الحلول العملية والإيجابية
التركيز على تطوير المهارات والقدرات الشخصية
اعتبار النجاح الحقيقي هدفًا والشهرة نتيجة محتملة له
اختيار الأعمال التي تضيف قيمة حقيقية للمجتمع
عدم مقارنة النفس بالآخرين بشكل مستمر
بناء الثقة بالنفس بعيدًا عن عدد المتابعين أو الإعجابات
استخدام وسائل التواصل لنشر الفائدة والمعرفة
السعي إلى التأثير الإيجابي بدلًا من مجرد الظهور
الرؤية الإسلامية
قال الله تعالى
﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
سورة التوبة الآية 105
وقال سبحانه
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ﴾
سورة الشورى الآية 20
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
« إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه »
رواه البيهقي
وقال صلى الله عليه وسلم
« إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى »
رواه البخاري ومسلم
الرؤية المسيحية
جاء في الإنجيل
« لِيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ »
إنجيل متى 5 : 16
وجاء أيضًا
« لا تنظروا كل واحد إلى ما هو لنفسه بل كل واحد إلى ما هو لآخرين أيضًا »
رسالة فيلبي 2 : 4
وتدعو التعاليم الدينية سواء في الإسلام أو المسيحية إلى أن يكون هدف الإنسان هو العمل الصالح وخدمة الآخرين وإتقان ما يقوم به، لا مجرد السعي وراء المظاهر أو الشهرة الفارغة. فالقيمة الحقيقية للإنسان تقاس بما يقدمه من خير ونفع وتأثير إيجابي، لا بحجم الأضواء المسلطة عليه.
وفي النهاية فإن الشهرة ليست عيبًا إذا جاءت نتيجة جهد حقيقي ورسالة نافعة، لكنها تصبح مشكلة عندما تتحول إلى غاية بحد ذاتها. فالنجاح الحقيقي يبني الإنسان من الداخل ويترك أثرًا في حياة الآخرين، أما الشهرة وحدها فقد تمنح صاحبها الظهور لفترة من الزمن ثم تختفي. ولذلك فإن الأهم ليس أن يعرفك الناس جميعًا، بل أن يكون لوجودك أثر طيب وقيمة حقيقية تبقى حتى بعد غيابك.






المزيد
فن التكيف بقلم نورهان راضي كحله
البعد الروحى/ بقلم/سعاد الصادق
بوسعادة… مدينة الرمال وتاريخ العظماء