كتبت نازك حكيم:
الفصل الثالث: شهر رجب
يأتي شهر رجب كنسمةٍ روحانيةٍ تهبّ على القلوب، فتوقظ فيها الشوق إلى الطاعة، وتفتح أمامها أبواب التأمل والاستعداد. هو أحد الأشهر الحُرُم التي عظّمها الله، وجعل لها مكانة خاصة في ميزان الزمن، ليكون محطة صفاءٍ بين ضجيج الحياة، وفرصة للعودة الصادقة إلى الله.
في رجب، يشعر الإنسان وكأن الزمن يبطئ قليلًا، ليمنحه فرصة لمراجعة نفسه، وترتيب روحه، وإعادة النظر في خطواته. ليس لأن هذا الشهر يحمل طقوسًا خاصة مفروضة، بل لأنه يحمل معنى عظيمًا في جوهره؛ معنى التعظيم، والتقديس، والتوقف عن كل ما يثقل القلب ويبعده عن النور.
لقد كان العرب في الجاهلية يعظّمون هذا الشهر، فيكفّون فيه عن القتال، فجاء الإسلام ليؤكد هذه القيمة، ويُضفي عليها بُعدًا إيمانيًا أعمق، يجعل من السلام الخارجي دعوةً إلى السلام الداخلي. فحين يسكن الصراع خارجًا، تُتاح للإنسان فرصة أن يصالح نفسه من الداخل.
ورجب ليس غاية، بل بداية… بداية الاستعداد لشهر شعبان، ومن بعده رمضان. وكأن هذه الأشهر تأتي متتابعة لتأخذ بيد الإنسان تدريجيًا نحو الارتقاء الروحي. ففي رجب تُزرع النية، وفي شعبان تُسقى العزيمة، وفي رمضان تُقطف ثمار الطاعة.
وفي هذا الشهر، يحتاج الإنسان أن يتخفف من أعبائه، لا المادية فقط، بل النفسية أيضًا؛ أن يترك خلفه ضجيج القلق، وثقل الذنوب، وأن يفتح قلبه لصفحة جديدة عنوانها الصفاء. فكل لحظة فيه هي فرصة، وكل يوم هو دعوة للتقرب، وكل عبادةإن كانت بسيطة—تحمل أثرًا عميقًا إن خرجت من قلبٍ صادق.
إن شهر رجب يذكّرنا أن التغيير لا يحدث فجأة، بل يبدأ بخطوة، بنيّة، بقرار داخلي صامت لكنه قوي. هو الشهر الذي يهمس في داخلنا: “اقترب… فما زال في الوقت متسع”.
فيا قارئ هذا الفصل، اجعل من رجب نقطة انطلاق، لا مجرد مرور عابر في تقويم الأيام. اجعله شهر المصالحة مع الذات، والتقرب من الله، وبداية طريقٍ جديد يُكتب فيه الأمل من جديد.






المزيد
لا تحكم على الناس بالمظاهر
مقولات يومية مع عبدالرحمن
رسائلُ من القدر