مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

لماذا أصبح البعض يقارن حياته بحياة الآخرين فيفقد شعوره بالرضا؟

كتب عبد الرحمن شعبان سعد:

 

في عالم أصبحت فيه حياة الآخرين معروضة أمام أعيننا طوال الوقت، أصبح من السهل أن ينظر الإنسان إلى ما يملكه غيره وينسى قيمة ما لديه. فمع كل صورة نراها وكل قصة نجاح نشاهدها قد يبدأ البعض في مقارنة حياته بحياة الآخرين، فيشعر بأنه متأخر أو أقل حظًا أو أن ما يملكه لا يكفي، رغم أن الحقيقة قد تكون مختلفة تمامًا.

 

المقارنة بين الناس أمر طبيعي عندما تكون دافعًا للتعلم والتطور، لكنها تتحول إلى مشكلة عندما تصبح وسيلة للحكم على قيمة الإنسان أو تجعله غير قادر على رؤية النعم الموجودة في حياته. فلكل إنسان ظروفه ورحلته الخاصة، وما يظهر أمامنا من حياة الآخرين غالبًا لا يمثل الصورة الكاملة.

 

ومن أسباب انتشار هذه المشكلة أن مواقع التواصل الاجتماعي تعرض الجانب المشرق فقط من حياة الناس، فنرى لحظات النجاح والسعادة ولا نرى التعب والصعوبات التي مروا بها. وهذا يجعل البعض يقارن تفاصيل حياته اليومية الواقعية بلحظات مختارة من حياة الآخرين.

 

كما أن بعض الأشخاص يربطون السعادة بامتلاك ما يملكه غيرهم، فيظنون أن النجاح له شكل واحد أو أن قيمة الإنسان تتحدد بالمال أو الشهرة أو المكانة الاجتماعية، بينما الحقيقة أن لكل شخص طريقًا مختلفًا وأهدافًا وظروفًا خاصة.

 

وتؤدي المقارنة المستمرة إلى آثار سلبية كثيرة، فقد تجعل الإنسان يفقد تقديره لنفسه ويقلل من إنجازاته ويعيش دائمًا في حالة شعور بالنقص، رغم أنه قد يمتلك أمورًا يتمنى غيره الحصول عليها.

 

لكن الحل ليس في التوقف عن الطموح، بل في تغيير طريقة النظر إلى الآخرين، فبدلًا من أن نقارن أنفسنا بهم يمكن أن نتعلم من تجاربهم ونستفيد من نجاحاتهم مع التركيز على تطوير أنفسنا وفق قدراتنا وظروفنا.

 

الحلول العملية والإيجابية

 

التركيز على النعم الموجودة في حياة الإنسان وتقديرها

 

تجنب مقارنة الواقع الشخصي بالصور المثالية التي يعرضها الآخرون

 

وضع أهداف خاصة تناسب قدرات الإنسان وظروفه

 

الاحتفال بالإنجازات الصغيرة وعدم التقليل منها

 

استخدام قصص نجاح الآخرين كمصدر إلهام وليس سببًا للإحباط

 

تقليل متابعة المحتوى الذي يسبب مشاعر سلبية أو إحساسًا بالنقص

 

تعلم أن لكل إنسان توقيته الخاص في النجاح والتقدم

 

الرؤية الإسلامية

 

قال الله تعالى

 

﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴾

سورة طه الآية 131

 

وقال سبحانه

 

﴿ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾

سورة هود الآية 6

 

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

 

« انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم »

رواه البخاري ومسلم

 

وقال صلى الله عليه وسلم

 

« قد أفلح من أسلم ورُزق كفافًا وقنعه الله بما آتاه »

رواه مسلم

 

الرؤية المسيحية

 

جاء في الإنجيل

 

« فانظروا واحترزوا من الطمع فإنه متى كان لأحد كثير فليست حياته من أمواله »

إنجيل لوقا 12 : 15

 

وجاء أيضًا

 

« لا تشتهِ ما لقريبك »

سفر الخروج 20 : 17

 

وتوجد في الإسلام والمسيحية دعوة واضحة إلى الرضا بما أنعم الله به على الإنسان، وإلى عدم جعل حياة الآخرين مقياسًا للحكم على النفس، فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تكون بما يملك أو بما يظهر أمام الناس، وإنما بما يحمله من أخلاق وعمل واجتهاد وشكر للنعم.

 

وفي النهاية فإن مقارنة الإنسان المستمرة بنفسه مع الآخرين قد تجعله ينسى أجمل ما في حياته، فالطرق تختلف والظروف تختلف والنجاحات لها أوقات مختلفة. وليس المطلوب أن يتوقف الإنسان عن التطور والطموح، بل أن يسعى للأفضل وهو راضٍ عن رحلته ومدرك أن لكل شخص قصة خاصة لا تشبه قصة غيره. فالسعادة الحقيقية تبدأ عندما يتعلم الإنسان أن يرى قيمة ما لديه قبل أن ينظر إلى ما لدى الآخرين.