كتب عبد الرحمن شعبان سعد:
كم من إنسان خسر فرصة التعرف على شخص رائع لأنه حكم عليه من مظهره فقط وكم من شخص تعرض للظلم وسوء الفهم لأن الآخرين كوّنوا عنه صورة غير حقيقية من أول نظرة إن الحكم على الناس من مظاهرهم أصبح من أكثر السلوكيات انتشارًا في كثير من المجتمعات رغم أن الواقع يثبت كل يوم أن المظاهر لا تكشف دائمًا حقيقة الأشخاص ولا تعبر بالضرورة عن أخلاقهم أو قيمهم أو نواياهم
فقد يرى البعض شخصًا بسيط الملبس فيظنون أنه قليل العلم بينما يكون صاحب خبرة وحكمة كبيرة وقد يقابلون شخصًا أنيقًا ومتحدثًا لبقًا فيمنحونه ثقة كاملة قبل أن يعرفوا حقيقته وهنا تظهر خطورة الأحكام السريعة التي تبنى على الشكل الخارجي بدلًا من التعامل الحقيقي والتجربة الواقعية
ومن أسباب انتشار هذه الظاهرة أن الإنسان بطبيعته يميل إلى تكوين انطباعات سريعة عن كل ما يراه حوله كما أن وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي ساهمت في تعزيز فكرة الحكم بالمظهر من خلال التركيز المستمر على الصورة والشكل والمكانة الاجتماعية أكثر من التركيز على الأخلاق والقيم والسلوك
كما أن بعض الناس تربوا على أفكار مسبقة تجعلهم يربطون بين المظهر وصفات معينة دون دليل حقيقي فيعتقدون أن فئة معينة من الناس أفضل أو أسوأ من غيرها بناءً على الشكل أو الملبس أو المستوى المادي أو الاجتماعي
لكن المشكلة الحقيقية أن هذه الأحكام قد تؤدي إلى ظلم كبير فكم من شخص حُرم من فرصة عمل أو صداقة أو تعاون بسبب فكرة خاطئة وكم من إنسان شعر بالألم لأنه تمت معاملته بناءً على مظهره لا على شخصيته الحقيقية
والأخطر من ذلك أن هذه الظاهرة تزرع الحواجز بين أفراد المجتمع وتمنع الناس من التعرف إلى بعضهم بشكل صحيح مما يؤدي إلى انتشار سوء الفهم وزيادة الفجوة بين فئات المجتمع المختلفة
الحلول العملية والإيجابية
منح الأشخاص فرصة كافية للتعرف عليهم قبل إصدار الأحكام
التركيز على الأخلاق والسلوك أكثر من المظهر الخارجي
تجنب تصديق الانطباع الأول بشكل كامل
تعلم الاستماع للآخرين وفهم ظروفهم وتجاربهم
مراجعة الأفكار المسبقة التي نحملها عن بعض الفئات
تربية الأبناء على احترام الجميع وعدم التمييز بين الناس
الحكم على الأشخاص من خلال أفعالهم ومواقفهم لا من خلال أشكالهم
الرؤية الإسلامية
قال الله تعالى
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾
سورة الحجرات الآية 13
وقال سبحانه
﴿ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ﴾
سورة الحجرات الآية 11
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
« إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم »
رواه مسلم
وقال صلى الله عليه وسلم
« بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم »
رواه مسلم
الرؤية المسيحية
جاء في الإنجيل
« لا تحكموا حسب الظاهر بل احكموا حكمًا عادلًا »
إنجيل يوحنا 7 : 24
وجاء أيضًا
« لأن الإنسان ينظر إلى العينين وأما الرب فإنه ينظر إلى القلب »
سفر صموئيل الأول 16 : 7
وتدعو التعاليم المسيحية إلى احترام الإنسان لكونه إنسانًا وعدم التمييز بين الناس على أساس المظهر أو المكانة أو الثروة لأن القيمة الحقيقية للإنسان تكمن في قلبه وأعماله وأخلاقه
وفي النهاية يبقى المظهر مجرد جزء صغير من صورة الإنسان بينما الحقيقة الكاملة لا تظهر إلا من خلال التعامل والمواقف والأيام لذلك فإن إعطاء الآخرين فرصة عادلة للتعبير عن أنفسهم هو من أرقى صور الاحترام والإنصاف فكم من شخص ظننّاه عاديًا فوجدناه استثنائيًا وكم من شخص أبهرنا مظهره ثم اكتشفنا أن الجوهر مختلف تمامًا.






المزيد
عطرُ الذكريات الجميلة
لماذا أصبح البعض يخشى الاعتراف بخطئه حتى عندما يكون الخطأ واضحًا؟
قلم رصاص