مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

لكل شاب بقلم صافيناز عمر 

لكل شاب بقلم صافيناز عمر

يا أيها الشاب الذي مرّ قلبه بوجعٍ أو خذلان، أو عاش تجربة تركت في روحه ندبةً يصعب محوها، اسمح لي أن أوجه لك كلمة من القلب. صدقني، الحياة لا تتوقف عند لحظة ألم، ولا عند قصة حب انتهت، ولا عند موقفٍ كسر عزيمتك. إن الله تعالى خلقنا وفي أرواحنا قوة عظيمة، ومنحنا نعمة جليلة اسمها “النسيان”. والحق أن النسيان ليس ضعفًا كما يظن البعض، بل هو سبيل إلى النجاة، وباب جديد يُفتح للإنسان كي يواصل طريقه نحو حياةٍ أجمل.

 

قد تشعر الآن أن جرحك عميق، وأنك عاجز عن تجاوزه. قد تغرق في الذكريات وتظن أن الماضي يطاردك في كل تفاصيل يومك. لكن تذكر أن الزمان دواء، وأن الأيام تحمل في طياتها شفاءً بطيئًا لكنه حتمي. يومًا بعد يوم ستشعر أن قلبك أخف، وأن روحك أكثر قوة، وستدرك أنك كنت قادرًا على الاستمرار من دون كل ما آلمك.

 

الحب، يا صديقي، ليس نهاية المطاف، وليس هو الذي يحدد قيمتك. إنه مجرد فصل من فصول كتاب حياتك، بينما الكتاب بأكمله لا يزال بين يديك لتكمل صفحاته. هناك أمور أعظم تنتظرك: صحتك التي هي كنزك الحقيقي، عملك الذي يبني مكانتك، طموحاتك التي ترفعك إلى قمم لم تحلم بها، وأحلامك التي خُلقت لتجاهد من أجلها. إن وجهت قلبك وعقلك نحو هذه الأمور، ستجد أنك قادر على صناعة حياةٍ أجمل مما كنت تظن.

 

قد تقول الآن: “لا أستطيع أن أنسى” أو “الماضي يلازمني حيثما ذهبت”. وهذا طبيعي، فكل إنسان يمر بمثل هذه المرحلة. لكن العبرة ليست في أن تمحو ذاكرتك، بل أن تتعلم كيف تتعايش، وألا تسمح للماضي أن يقيّدك. فكلما منحت جراحك وقتًا أطول، سرقت من وقت مستقبلك. وتذكّر دائمًا أن أجمل ردّ على أي وجع، هو أن تنجح وتثبت لنفسك قبل غيرك أنك أقوى مما تظن.

 

صحتك، يا صديقي، هي أغلى ما تملك. جسدك هو المركبة التي ستحملك طوال رحلتك، فلا تهمله. احرص على صحتك النفسية قبل الجسدية، ابتعد عن كل ما يستنزف روحك ويثقل قلبك. مارس الرياضة، واعتنِ بغذائك، ونَمْ جيدًا. اجعل سلامك الداخلي أولوية قصوى، وابتعد عن العلاقات المرهقة التي لا تجلب إلا الخيبة.

 

أما عملك وطموحاتك فهما مفتاح مستقبلك. فالعمل ليس مجرد وسيلة للعيش، بل هو الذي يمنحك معنى وقيمة. عندما تمتلك هدفًا وتسعى إليه بجدٍّ واجتهاد، ستشعر أنك تحيا حياةً حقيقية. النجاح ليس طريقًا سهلاً، إنه طريق طويل محفوف بالتعب، لكنه تعبٌ مُبهج، تعب يمنحك في النهاية ثمرة حلوة. حين تنجز وتلتفت إلى الوراء لترى خطواتك وقد أثمرت، ستشعر بقيمة ذاتك الحقيقية.

 

واعلم يقينًا أن كل ما يحدث لك مكتوب بمقادير الله. ربما أبعدك الله عن قصة معينة ليحميك من أذى أكبر، وربما ما فقدته لم يكن نصيبك من البداية. وما عند الله دائمًا خير، حتى وإن لم تدركه الآن. فلتطمئن روحك ولتوقن أن القادم أجمل.

 

النسيان لا يعني أنك قاسٍ أو جاحد، بل يعني أنك تحافظ على نفسك وتمنحها فرصة جديدة. النسيان قرار، قرار بأن تختار الحياة بدلًا من الغرق في الألم. لنتعلّم جميعًا أن لا نتوقف طويلًا عند الماضي، لأنه انتهى ولن يعود. الماضي صفحة أُغلقت، والمستقبل كتاب لم يُكتب بعد، وأنت الذي بيدك القلم لترسمه.

 

اجعل قلبك متسعًا لما هو قادم، ولا تدعه أسيرًا لما مضى. سيأتي الحب من جديد في الوقت المناسب، لكنه سيأتي حين تكون أقوى، أنجح، وأكثر نضجًا. فلا تجعل حياتك كلها تتمحور حول تجربة عاطفية، فالحياة مليئة بالقصص الأخرى التي قد تمنحك معنى وسعادة أكبر بكثير.

 

قد يبدو كلامي الآن صعب التطبيق، لكن مع مرور الأيام ستفهمه. سيأتي يوم تضحك فيه على نفسك وتقول: “كيف كنت أحمل كل هذا الهم؟” فالأيام كفيلة بأن تداوي الجروح وتخفف الآلام.

 

إياك أن تجعل الماضي سجنك. اكسر قيوده وابدأ حياة جديدة. ضع أهدافًا واضحة، وارسم خطة، وسر بخطوات ثابتة. لا تستعجل النتائج، ولا تقارن نفسك بالآخرين، فلكل إنسان رحلته الخاصة. سر بخطواتك مهما كانت صغيرة، فكل خطوة تقرّبك من أحلامك.

 

ولا تستهِن بنفسك. أنت تستحق حياة جميلة، وتستحق نجاحًا وسلامًا وحبًا صادقًا. لكن البداية لا بد أن تكون منك أنت. لا تنتظر أن يأتي أحد لينقذك، فأنت المنقذ الوحيد لنفسك.

 

وأذكّرك: القوة ليست في أن لا تبكي، بل في أن تنهض بعد كل سقوط. القوة أن تختار الاستمرار رغم الألم، أن تجعل من كسرتك دافعًا يقودك نحو أحلامك.

 

ركّز على نفسك، على صحتك، على عملك ومستقبلك. كل شيء سيتبدل للأفضل. ستأتي لحظة تنظر فيها إلى الوراء وتقول: “الحمد لله أنني تجاوزت”. إن النسيان ليس نهاية، بل هو بداية جديدة، بداية تُفتح معها أبواب لم تكن تحلم بها.

 

فلتذكر دائمًا: الحياة لا تتوقف على أحد، ولا على حبٍ ولا على جرح. الحياة تمضي، ومن يحسن استغلالها هو الرابح الأكبر. ولكي تكمل مسيرتك بصدق، عليك أن تنسى الماضي، أن تتصالح مع نفسك، وأن تبني بيديك غدًا أجمل.