مــيار عــــــــبـد الـــــراضـي تــــكـتـب…
في الليل… حين ينام الجميع… هناك نوافذ لا تنطفئ… ليست تلك المصنوعة من خشب وزجاج… بل تلك التي تنفتح داخل الروح… تطل على خوف قديم لم يُغلق بعد… على قلق دفين يتسلل حين نغمض أعيننا وندّعي أننا بخير…
الكوابيس لا تطرق الباب بل تدخل كأنها تعرف الطريق… تتسلل إلى تفاصيل الوسادة… تتمدد فوق الجفون… تأخذ شكل سقوط متكرر لا نهاية له… أو أم مريضة لا تتكلم… أو باب يُغلق في وجهك دون إنذار… الكوابيس لا تصرخ… بل تهمس… تهمس بما لا نجرؤ على قوله في النهار…
أكثر الأحلام فزعًا ليست تلك التي توقظنا… بل تلك التي تترك في القلب أثرًا حتى بعد الاستيقاظ… فتجعلنا نغسل وجوهنا دون سبب… نبحث عن النور… نُطيل النظر في المرآة لنتأكد أننا هنا… وأن كل شيء كما تركناه… رغم أننا نعرف جيدًا أن شيئًا ما قد تغيّر…
النوم لم يعد راحة للجميع… البعض يخشاه… لا لأنه يكره الليل… بل لأنه يخاف من أن يرى الحقيقة بثوبٍ رمزي… من أن يظهر له القلق في هيئة ذئب… أو الحزن في صورة درجٍ لا ينتهي… البعض وسادته ليست ناعمة بل ثقيلة بأفكاره… وغطاؤه لا يمنحه دفئًا بل يغرقه بصمت لا يُحتمل…
الكوابيس ليست اختراعات ليلية… بل رسائل مرسلة من عُمق اللاوعي… إشارات صغيرة تقول إن هناك شيئًا لم يُفهم بعد… أو مشاعر حُبست طويلًا حتى بدأت تصرخ في شكل حلم… ولهذا تتكرر بعض الكوابيس بلا رحمة… السقوط نفسه… الغرق ذاته… نفس الممر الطويل ونفس العجز عن الهروب…
إننا لا نحلم عبثًا… والعقل لا يصوّر شيئًا من فراغ… بل يعيد تركيب ما نخزنه دون وعي… ولذلك… علينا ألا نخاف الكوابيس بل نصغي إليها… ندوّنها… نواجه رموزها… نسأل: ما الذي يقلقني فعلًا؟… ما الذي لم أُشفَ منه؟… فالفهم هو أول باب نُغلق به النافذة التي تأتي منها الكوابيس…
وبينما يبدو النوم نهاية اليوم… فإنه عند البعض مجرد بداية لحرب خفية… لذلك… فكل من رأى حلمًا مفزعًا ولم يهرب… بل فكر وتأمل وسأل… هو لا يعيش فقط… بل يعبر بين الظل والنور وهو يحمل مصباحًا اسمه الوعي…






المزيد
علامات خفية تقول إنك تحت ضغط نفسي
الأزمة بين المربع السكني وجودة التعليم
عيد العمال: هل أصبح لدينا عمال لنحتفل بهم؟