مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كتاب وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا بقلم الكاتب هاني الميهى

الفصل الأول – فُجوات الروح

كتاب وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا بقلم الكاتب هاني الميهى

الجزء الثاني – أسباب التصدع الداخلي (رحلتي مع فهم نفسي)

 

بعد أن بدأت أدرك الفجوات في نفسي، بدأت أسأل نفسي سؤالاً عميقاً: لماذا ظهرت هذه الفراغات ولماذا لم أنتبه لها من قبل؟ لماذا تصبح النفس أحيانًا صعبة السيطرة، وعنيدة في طلب ما يضرها قبل أن تنفعها؟ كان لابد لي من الغوص في الأسباب، من فهم أصل هذا التصدع الداخلي الذي يعرقل توازني وهدوئي النفسي.

أول ما لاحظته هو أن النفس معرضة للتراكمات القديمة. كل تجربة مؤلمة مرت علينا دون معالجة صحيحة، كل جرح عاطفي لم يُلتئم، كل فقدان صغير أو رفض تلقيناه في الطفولة أو الشباب المبكر، كلها تترك أثرًا صامتًا في أعماق النفس. كنت أرى في نفسي آثار تلك التجارب كلما شعرت بالغيرة، أو الخوف، أو الانفعال بلا سبب واضح. هذه التراكمات، رغم مرور الوقت، كانت تعمل في الخفاء، تهدم توازن النفس تدريجيًا، وتخلق فجوات دقيقة تتحول إلى صراعات كبيرة مع الوقت.

ثانيًا، اكتشفت أن النفس الأمّارة بالفجور هي أكثر ما يجعل الإنسان ينحرف عن مسار التقوى، ليس عن قصد، ولكن بسبب الجهل بضعفها أو عدم مراقبتها. كنت أجد نفسي أبرر أحيانًا ما لا يبرر، أسمح لرغباتي الخفية بأن تتحكم في قراراتي، وأتساءل لاحقًا عن سبب الانهيار أو الاضطراب الداخلي. هذا كان درسًا قاسيًا: أن مجرد الوعي بالفجور ليس كافيًا، بل لا بد من مواجهة النفس مباشرة، مراقبتها، والتمرين على تهذيبها خطوة خطوة.

ثالثًا، لاحظت أن المقارنات المستمرة والاهتمام بتقييم الآخرين يغذي التصدع الداخلي. كنت أراقب نفسي أحيانًا كيف أختار المعايير بناءً على صور الآخرين أو كلماتهم، وليس على نفسي أو قيمتي الحقيقية. هذا السلوك جعل فجوات نفسي تتسع، وأصبح من السهل أن تُخدع النفس أو تغتر بما يظهر حولها، فتبدأ الصراعات الداخلية.

وأخيرًا، تعلمت أن الخوف والقلق المستمر هما من أقوى أسباب التصدع. كلما تجاهلت صوتي الداخلي أو لم أتصالح مع نفسي، نما الخوف بداخلي، وصار الضغط النفسي يتضاعف. كنت أكتشف في لحظات التأمل أن مصدر معظم شعوري بالعجز أو الانكسار ليس العالم، بل نفسي التي تركتها بلا مراقبة.

كل هذه الأسباب جعلتني أفهم درسًا مهمًا: أن الفجوات والتصدع الداخلي ليسا عبئًا خارجيًا، بل انعكاس داخلي لنقص الوعي بالذات. كل شخص منا يعيش تحدياته الداخلية بصمت، وغالبًا يلوم العالم على انهياره، بينما الحقيقة أن كل سقوط، كل انفعال، كل شعور بالنقص، سببه النفس التي لم تُروّض بعد.

في رحلتي مع هذه الاكتشافات، بدأت أمارس مراقبة مستمرة لنفسي، أواجه كل خوف، أتحقق من كل رغبة، أستمع لكل صوت داخلي يحاول أن يسيطر عليّ. ومع الوقت، صار لدي وعي أكبر باللحظات التي تتطلب ضبط النفس، والتصرف بما يرضي روحي قبل أن يرضي الآخرين. أصبحت الفجوات في نفسي نقاط قوة، لأنها كانت بمثابة مرآة صادقة تُظهر لي مكامن الضعف، وتعلمني كيف أوازن بين الفجور والتقوى داخلي.

 

الرسالة الختامية للجزء الثاني:

“من فهم أسباب تصدع نفسه، أصبح أقوى في تهذيبها ومراقبتها.”

:

#هاني_الميهي

#وَنَفْسٍوَمَاسَوَّاهَا

#كتاب_النفس