مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كتاب وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا بقلم الكاتب هاني الميهى

الفصل الخامس – ميزان النفس

كتاب وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا بقلم الكاتب هاني الميهى

 

بعد أن قطعتُ شوطًا طويلًا فى التعرف إلى نفسى، وفهم فجواتها، ومخالطة شقائقها، والغوص فى عمقها، ثم الوقوف على مآلاتها، أدركت حقيقة لم تكن واضحة فى البداية: أن المعرفة وحدها لا تكفى، وأن التحوّل لا يكتمل ما لم يُضبط بميزان.

فالنفس، بعد أن تُكشف وتُفهم وتُهذّب، تدخل مرحلة أخطر من كل ما سبق؛ مرحلة الاختيار اليومى. مرحلة يصبح فيها الإنسان مسئولًا عن كل فعل، وكل قرار، وكل ميل خفى. هنا لا تعود الأعذار صالحة، ولا الجهل مبررًا، ولا الغفلة عذرًا مقبولًا. هنا يبدأ الامتحان الحقيقى.

ميزان النفس ليس قانونًا خارجيًا يُفرض، ولا وصايا تُلقَى من علٍ، بل هو حالة داخلية تنشأ حين يصبح الإنسان شاهدًا على نفسه، لا محاميًا عنها. حين يتعلّم أن يزن أفعاله بصدق، لا بمصلحته، وأن يُحاسب دوافعه قبل أن يُبرر نتائجها.

فى هذه المرحلة من الرحلة، فهمت أن أكثر الناس اضطرابًا ليسوا أولئك الذين يجهلون أنفسهم، بل أولئك الذين عرفوها ولم يضعوا لها ميزانًا. فالمعرفة بلا ضبط تُحوّل النفس إلى أداة تبرير ذكية، قادرة على تجميل الخطأ، وإعادة تعريف السقوط، وتسويق الانحراف على أنه حق شخصى.

ميزان النفس هو الفاصل بين الوعى والاتزان، بين الإدراك والحكمة، بين الحرية والفوضى. هو تلك القدرة الدقيقة على أن تقول: “لا”، فى اللحظة التى يبدو فيها “نعم” أسهل وأخف وطأة. هو الشجاعة الصامتة التى تمنعك من الانزلاق، لا الخوف من العواقب.

وقد أدركت، عبر التجربة لا التنظير، أن الإنسان لا يُقاس بما يعرفه، بل بما يفعله حين تتعارض معرفته مع رغبته. هنا يظهر الميزان الحقيقى، وهنا تُختبر صدقية الرحلة كلها. فكم من عارفٍ هلك، وكم من متواضعٍ نجا، لأن ميزان النفس كان حاضرًا عند لحظة القرار.

هذا الفصل ليس دعوة للكمال، ولا وصفة للانضباط الصارم، بل محاولة لفهم كيف تعيش النفس بعد أن تُعرَف، وكيف تُدار بعد أن تُحرَّر من جهلها. كيف نُعيد ترتيب الداخل، ونضع لكل شيء قدره، ولكل شعور حجمه، ولكل رغبة حدّها.

فى ميزان النفس، لا تُلغى المشاعر، بل تُفهَم. لا تُقمع الرغبات، بل تُوزَن. ولا يُقتل الطموح، بل يُنقّى من الجشع. فالحياة لا تُدار بالقسوة، ولا بالتسيّب، بل باتزان دقيق لا يتقنه إلا من جرّب السقوط، ثم تعلّم كيف يقف دون أن ينكسر.

هذا الفصل هو انتقال من سؤال: من أنا؟

 

إلى سؤال أدقّ وأخطر: كيف أختار؟

 

وهنا، تبدأ مرحلة جديدة من الرحلة… مرحلة الميزان.

 

#هاني_الميهى

#وَنَفْسٍوَمَاسَوَّاهَا