مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كتاب وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ بقلم الكاتب هاني الميهى

الفصل الثاني

النقاء تهمة في بيئة فاسدة

اسم الكتاب: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ﴾

اسم الكاتب: هاني الميهى

 

أن تكون نقيًا في بيئة فاسدة هو أخطر موقع يمكن أن تتواجد فيه. النقاء لا يُحتمل من قبل من لا يعرفون الصدق، ولا يُفهم من قبل من اختاروا المصلحة على القيم، ولا يُغتفر في منظومة تقوم على الغدر والخداع. يوسف لم يكن متميزًا لأن براءته خارقة، بل لأنه ثابت أمام الانحراف، مستقيم أمام الإغراء، صادق أمام الكذب، وهذا ما جعله هدفًا أولًا، لا ثانويًا.

في كل دائرة بشرية، هناك من يريد البقاء كما هو، من غير أن يحركه ضمير أو يقوده وعي. وجود شخص صادق بينهم يشبه إشعال شمعة في غرفة مظلمة: الجميع يرى الضوء، والجميع يشعر بالحرارة، لكن قلة فقط يرحبون بها. الباقون يحاولون إطفاءها. هكذا، يصبح النقاء تهمة قبل أن يكون ميزة.

النقاء ليس فقط في الفعل، بل في النية. النية الصافية تُفسر خطأً، ويُساء فهمها، وتصبح أداة اتهام. يوسف لم يكن يخطط لمكسب شخصي، لكنه كان متسقًا مع قناعاته الداخلية، وهذا وحده سبب الغيرة والعداء. الدرس هنا واضح: المجتمع الفاسد يهاجم النقاء لأنه يفضحه ويكشف زيفه.

في عالم العمل، ستجد صورًا مختلفة من هذا السيناريو: الموظف الملتزم بالقيم يُتهم بالتعنت أو البطء أو المبالغة، لأنه يرفض التنازل عن المعايير. القائد النزيه يُتهم بالجمود لأنه لا يساير مصالح الآخرين. الفارق هنا أن النقاء لا يُشترى، ولا يُباع، ولا يُقنع، ولا يُخدع، ولذلك يصبح تهديدًا حتى لمن لا يعي ذلك.

المشكلة الثانية تكمن في سردية الضحية التي ينسجها المحيط: “إنه نقي، لذلك يستحق ما أصابه.” هذه الرواية تنتشر لتبرير الظلم، ولكي تُلصق الذنب بالضحية بدل الجاني. وهنا تظهر قوة يوسف الفكرية: لم يصدق السرد المزيف، ولم يسمح للاتهام أن يحدد هويته، ولم يتوقف عن العمل على نفسه في صمت.

النقاء في بيئة فاسدة يفرض عليك ثلاث مهام صعبة في الوقت نفسه:

حماية نفسك داخليًا: لا تسمح لليأس أن يتسلل إلى قلبك.

إدراك طبيعة المحيط: لا تتوه في وهم العدالة الاجتماعية، واعرف أن من حولك غالبًا يسير حسب مصالحه الخاصة.

التحرك بحكمة: التوازن بين الصمت والفعل، بين الدفاع عن نفسك وعدم الانخراط في معركة غير ضرورية.

يوسف أدرك مبكرًا أن النقاء لا يعني غياب الخطر، بل يعني إدراك الخطر والتعامل معه دون أن تفقد هويتك. في كل موقف، كان يختار الرد الذكي لا العاطفي، الاستراتيجية لا الانفعال، الصبر لا الاندفاع. وهنا تتجلى حكمة المرحلة الثانية من رحلته: النقاء ليس هدية، بل اختبار دائم، وكل اختبار يرفعك أو يحطمك بحسب إدارتك له.

الدرس القيادي هنا: في بيئات العمل، من يُظهر التزامًا بالقيم، غالبًا ما يُساء تفسيره، ويُستهدف أولًا. الطريقة للبقاء ليست تغيير المبادئ، بل رفع وعيك الداخلي، وضبط تفاعلك، والاستعداد للغدر دون أن يتحكم فيك. يوسف لم يسمح للمؤامرة أن تسرق حريته الداخلية، وهكذا تمكن من النجاة من الهجمات الشخصية دون أن يُصبح نسخة من من حوله.

 

رسالة الفصل

النقاء في بيئة فاسدة هو سلاح، لكنه سلاح مُستهدف.

الحفاظ على هويتك تحت الضغط هو أعظم غلبة.

 

تمهيد الفصل القادم

المؤامرة لا تتوقف عند الكشف عن النقاء، بل تتحول إلى السقوط المقصود…

 

الفصل القادم يكشف كيف تصبح الضغوط والتهم غير العادلة مرحلة إعداد، لا عقابًا دائمًا.

 

#واللهغالبعلى_أمره

#هاني_الميهى