مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كتاب ونفس وما سواها بقلم هاني الميهي

الفصل الرابع – ارتقاء النفس

اسم الكتاب: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا

اسم الكاتب: هاني الميهى

عنوان الجزء الثاني: امتحانات الطريق ومزالق الارتقاء

 

حين بدأتُ ألتقط أنفاسى فى درجات الارتقاء الأولى، ظننت – بسذاجة البدايات – أن الطريق سيمنحنى هدنة، أو يسمح لى بفترة راحة أستعيد فيها توازنى.. لكننى ما لبثت أن فهمت أن النفس لا تُعطى راحة لمن يحاول تهذيبها؛ بل تبتكر طرقًا جديدة لاختبار صدق عزيمته، كأنها تهمس له: “إن كنت صادقًا، فأرنى ثباتك.”

أول تلك الامتحانات كان امتحان الإغراء الخفى. ليس الإغراء الذى يأتى صاخبًا واضحًا، بل ذلك الذى يتسرّب إلى القلب على هيئة مبررٍ صغير. رأيت نفسى أتنازل عن قرارٍ كنتُ اتخذته، بحجة أن الظرف لا يسمح، أو أن الأمر لا يستحق التشدد. كنتُ أتعجب كيف تُقنعنى نفسى بما كنت أنا أرفضه بالأمس! لكننى تعلّمت أن النفس حين تتزيّن، تُلبس الخطأ ثوبًا جديدًا وتجعله يبدو أقل خطرًا، وأكثر قبولًا.

ثم جاء امتحان الثناء. نعم، الثناء امتحان، بل لعله من أصعب الامتحانات. حين بدأت أرى من حولى يلاحظون تغيّرى، ويُثنون على هدوئى أو صبرى، شعرتُ بشىء دقيق يتحرك داخلى، شىء يُريد أن ينسب الفضل لنفسه، لا لفضل الله. هنا فهمت لماذا كان الصالحون يخشون المدح، لأن قلب الإنسان هشّ، ولو نُفخ فيه بأصغر كلمة ثناء، تمدد داخله شعور خفى بالعلو، وهو شعور إن تضخّم، هدم كل ما بناه صاحبه فى رحلته.

وكان امتحان الغضب من أقسى ما واجهته. الغضب يكشف المعدن الحقيقى للنفس، ويعرّى ما حاول الإنسان تجميله. كنتُ أظن أننى بلغت قدرًا من ضبط الذات، حتى داهمتنى لحظة غضب مفاجئة، فوجدت نفسى أرتدّ إلى سلوكات كنت أحسبها ماتت. هنا أدركت أن النفس لا تُروَّض بالكلام، بل بالمداومة، وأن العثرة ليست سقوطًا، بل تذكيرًا بأن الطريق ما يزال أطول مما أظن.

ثم واجهت امتحانًا آخر: الوحدة. حين يبتعد الناس، تتكلم النفس بصوتٍ أعلى. فى الوحدة، يعلو الهمس القديم، وتخرج الشهوات التى كان يطمسها الضجيج. وجدت نفسى أمام حقيقتى دون قناع، وكنت أظن أن الوحدة ستُسكن النفس، لكنها فى الحقيقة تُظهر جوهرها. ولولا أننى تمسكت بذكر الله، لكانت الوحدة بابًا للارتداد لا بابًا للترقي.

وكان هناك امتحان الإنجاز الباطل… ذلك الشعور الكاذب أنك بلغت ما يكفى. هو أخطر امتحان، لأنه يُجمد النفس عند درجة واحدة. إن الانسان حين يظن أنه قد ارتقى بما يكفى، يتوقف عن السعى، وحين يتوقف عن السعى، يبدأ فى الهبوط دون أن يشعر. ولذلك كان أول ما تعلمته من هذا الامتحان أن النفس تحتاج إلى يقظة مستمرة، لا إلى شعور مكتمل بالإنجاز.

ومع كل تلك الامتحانات، بدأت أفهم معنى قول العلماء: “تهذيب النفس جهادٌ لا يُرفع عنه القلم حتى يموت صاحبه.” وكنت أرى نفسى بين الحين والآخر أعود إلى نقطة البداية، فأتعجب! كيف لخطوة واحدة خاطئة أن تهدم تعب أسبوع؟ لكننى تعلمت أن الارتقاء ليس خطًا مستقيمًا، بل مسار متعرج، فيه صعود وهبوط، مدّ وجزر، يقظة وغفلة. وما دام القلب يعود إلى الله كلما انحرف، فهو ما يزال على الطريق.

فى نهاية هذا الجزء من الرحلة، أدركت أن امتحانات النفس ليست عقوبة، بل تربية. ليست عائقًا، بل صقلًا. هى دروس تُعيد تشكيل الإنسان ليعرف قدره، ويعرف ربه، ويعرف ضعفه الذى بدون الاعتراف به، لن يعرف قوته الحقيقية.

الرسالة الختامية للجزء

إنّ النفس تُختبر فى لحظات الضعف أكثر مما تُختبر فى لحظات القوة. والنجاة ليست فى أن لا تسقط، بل فى أن تنهض كلما عصفت بك نفسك، وأن تظل مُدركًا أن الارتقاء رحلة لا تنتهى إلا عند الله.

 

#هاني_الميهى

#وَنَفْسٍوَمَاسَوَّاهَا