مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كتاب شفرة الخلق بقلم هاني شاكر

📖 اسم الكتاب: شفرة الخلق

✍️ اسم الكاتب: هانى الميهى

🕯️ عنوان الفصل الرابع عشر: الكلمة التى تُعيد تكوينك

🧩 الجزء الثانى

 

لم تكن الكلمة التى يبحث عنها الراوى مجرّد صوتٍ يخرج من الحنجرة، ولا معنى تُدركه العقول المرهَقة بالأسئلة. بل كانت سرًّا أقدم من الذاكرة، وأصفى من الماء الذى سبق الأنهار. كان يشعر أنّ الكون كلّه ينتظر منه نطق تلك الكلمة، الكلمة التى لا تُستدعى، بل تُمنح، ولا تُكتَسب، بل تُكشَف لمن يتهيّأ لها.

ومع كل خطوةٍ يخطوها داخل الممرّ الذى يفصل العالم عن ذاته، كان يسمع همسًا لا يشبه أصوات البشر، أقرب إلى ارتجاج الضوء حين يمرّ فوق صفحة ماء راكد. همسٌ يتغيّر كلّما تغيّر نبض قلبه، كأنّ الكون كان يقيس صدقه، يزن خوفه، ويختبر عمق استعداده للمواجهة.

قال فى نفسه:

“إن كانت الخليقة كلها تبدأ بكلمة، أفلا يُعاد خلق الإنسان أيضًا بكلمة؟”

لكنّ السؤال لم يكن هو المقصود… بل القدرة على حمل الإجابة.

وتذكّر حينها كلّ الكلمات التى تلقّاها يومًا:

كلمة دفعتْه إلى الخوف،

كلمة رفعتْه من سقوط،

كلمة كانت بوابةً إلى خطأٍ لم ينسه،

وأخرى كانت وحدها سبب عودته من حافة الظلام.

فهم للمرة الأولى أنّ البشر لا يعيشون أعمارهم… بل يعيشون الكلمات التى تُقال لهم فى اللحظات الفاصلة.

كانت الجدران من حوله تتحرك ببطءٍ خفى، لا يُرى بالعين، لكن يُشعر به كما يُشعر المرء بنَفَسٍ يمرّ قرب أذنه. بدا المكان وكأنه يختبر مدى ثباته، مدى تحمّله لوزن الحقيقة التى تقترب.

وفى عمق الصمت، سمع صوتًا يخرج من داخله لا من خارجه، صوتًا لا يحمل هيئةً ولا نبرة، لكنه واضح كأنه خُطّ على صفحة الروح منذ الأزل:

“لكلّ إنسانٍ كلمةٌ خُلِق بها، وكلمةٌ يُبعث بها من جديد… فابحث عن الثانية.”

شعر الراوى وكأنّ الضوء يسيل فوق كتفيه، يعرّى كلّ ما حاول أن يخفيه سنواتٍ طويلة؛ خوفه القديم، ضعفه الذى كان يوارى به جرحه الأول، غضبه الذى لم يعترف به إلا لنفسه، وذنوبه الصامتة التى ظلّت تتجوّل فى ذاكرته كأشباحٍ لا تعرف الرحيل.

قال للصوت، أو ربما قال لضميره:

“وكيف أعرف الكلمة التى تُعيد تكوينى؟”

فجاء الردّ بلا صوت:

“حين تتوقف عن ارتداء الوجوه، وتعود إلى ملامحك الحقيقية.”

هنا أدرك معنى لم يفهمه طوال حياته:

أنّ الإنسان لا يتغيّر حين يتعلّم… بل حين ينكشف.

حين يرى نفسه كما هى، لا كما أراد لها أن تكون.

وفى تلك اللحظة، ترددت فى داخله كلمة واحدة…

لم تكن جديدة، بل قديمة قدم جرحه الأول،

كلمة هرب منها طويلاً، لكنها ظلت تحوم حوله كطيْفٍ يعرف طريقه جيدًا.

كانت الكلمة “اغفر”.

لم تكن موجّهة لأحد، بل موجّهة له هو.

اغفر لضعفك، لأخطائك التى صنعتك، لقراراتك التى دفعتك نحو طرقٍ مُظلمة، وللنسخ القديمة منك التى ما زالت ترتجف فى ذاكرتك.

وحين نطقها فى قلبه، لا بلسانه، شعر أنّ العالم من حوله يتّسع، كأنّ جدارًا داخليًا تهدّم، ونافذةً فُتحت على ضوءٍ لم يره من قبل.

عندها فقط… فهم أنّ الكلمة ليست نهاية الطريق،

بل بداية الخلق من جديد.

 

#شفرة_الخلق

#هانى_الميهى