مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كتاب شفرة الخلق بقلم الكاتب هانى الميهى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كتاب شفرة الخلق بقلم الكاتب هانى الميهى

الفصل السابع: المرايا المخبَّأة

الجزء الرابع: ذاكرة الخلق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يُخيَّل إلىّ أحيانًا أنّ الكونَ لا ينسى شيئًا، وأنّ ذراتنا تحملُ ذاكرةً أقدم منّا جميعًا. كلّ جينٍ فى أجسادنا هو سجلٌّ صغيرٌ من التاريخ، قطعةٌ من سردٍ طويلٍ بدأ قبل أن نُدرك المعنى.

فما نحنُ إلا استمراريّةُ الحكاية التى لم تُغلق فصولها بعد، والحروفُ التى تكمّل جملًا ناقصةً فى كتاب الخلق العظيم.

حين نتصرّف بلا تفسير، حين نُحبّ أحدًا دون سببٍ واضح، أو نخاف من شيءٍ لم نختبره من قبل، فربّما ذلك لأنّ الشفرة القديمة قد تحرّكت، واستيقظت الذاكرة التى لا تُرى.

ذاكرةُ الجدّ الذى عاش، والجدّة التى بكَت، والسلالة التى حلمت ثمّ سقطت.

كلّ ما عشناه يُكتب فينا، لا فى وعينا فقط، بل فى نسيجنا، فى الخلية التى تُورَث كما تُورَّث الحكاية.

أفكّر أحيانًا: ماذا لو كان الخلق نفسَه تجربةَ تذكّرٍ كبرى؟

ماذا لو كانت الخليقةُ مجرّدَ محاولةٍ أبديةٍ من الخالق كى يتأمّل ذاته فى مراياه الصغيرة – نحن؟

حينئذٍ يصبح كلّ إنسانٍ سؤالًا، وكلّ حياةٍ إجابةً ناقصةً على لغزٍ لا يُراد له أن يُحلّ تمامًا.

ولأنّ الشفرةَ ليست نصًّا مُغلقًا، بل قصيدةً حيّة، فإنّ الإنسان قادرٌ على أن يُغيّر نغمتها، أن يضيفَ حرفًا، أن يُعيد ترتيب السطر.

ذلك هو سرّ الوجود الذى خفى على الكثيرين:

أنّك لست مجرّد نسخةٍ من ماضٍ وُرِّث لك، بل كاتبٌ جديدٌ فى كتابٍ قديم.

تستطيع أن تواصل الأسطر، أو تمزّق الصفحة، أو تخلق بابًا جديدًا فى جدار القدر.

وحين تفعل ذلك، حين تدرك أنّ الخلقَ لا يُعادُ بل يُكتَبُ كلّ يوم، حينها فقط تكون إنسانًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

#شفرة_الخلق

#هانى_الميهى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ