كتاب شفرة الخلق بقلم الكاتب هانى الميهى
الفصل السابع: المرايا المخبَّأة
الجزء الثالث: حين تبوح الجينات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كنتُ أظنّ أن الإنسان يصنع قدره بإرادته وحدها، وأن الطريق لا يُعبَّد إلا بخطواته هو، لكنّنى حين نظرتُ أعمق، وجدتُ أن الإرادة ذاتها ليست إلا صدى بعيدًا لما خُطَّ فى الجسد منذ اللحظة الأولى لتكوينه.
إنّنا نولد ونحن نحمل مفاتيحَ مغلقة داخلنا، مفاتيحَ جينية تشبه أسرارَ صنّاع العوالم، تُحدّد ملامحَ ما سنكون عليه، وتُرسِم مسارَنا قبل أن ننطق أول كلمة. تلك الشفرةُ الغامضةُ التى تختبئ فى نسيج خلايانا، هى السيرةُ الأولى التى لا نقرؤها إلا متأخّرين.
كم من تاجرٍ ظنّ أنّه اختار التجارة، وكم من شاعرٍ آمن أنّ الشعر هبةُ روحٍ لا دمٍ، ثم اكتشف الجميع أنّ ما حسبوه قرارًا لم يكن إلا توقيعًا مسبقًا فى كتابٍ لم يكتبوه!
بل إنّ أفعالنا الصغيرة، نظراتنا، طريقتنا فى الحُبّ أو فى الخداع، فى العطاء أو فى القسوة، ليست سوى امتداداتٍ خفيّةٍ لأصابعٍ تمتدّ من الماضى البعيد عبر دمائنا.
أحيانًا، حين أرى ابنَ الحرامى يميلُ إلى الحيلة، أو ابنَ العالم يطلبُ الحكمة دون أن يتعلّمها، أُدرك أنّ الكون لا يترك الخيوط سائبة. إنّه ينسجها بتأنٍّ، كخالقٍ يتأمّل لوحته فى صمت.
لكن لكلّ قاعدةٍ استثناء، ولكلّ خريطةٍ ثغرة، فربّ تاجرٍ أنجب شاعرًا، وربّ سارقٍ خرج من رحمه قاضٍ عادل. تلك الشواذّ ليست عبثًا، بل هى مقاومةُ الكونِ لجموده، كأنّ الخلقَ نفسه يحتاجُ إلى من يعيد ترتيبَ معناه كلّ حين.
هكذا فهمتُ أنّ الشفرة لا تحكمنا حكمًا مطلقًا، بل تمنحنا سطرًا أوّلًا، وما بعده متروكٌ لوعينا.
الخلقُ ليس قالبًا جامدًا، بل عزفٌ تتداخل فيه الأوتارُ بين ما وُرِّث وما اختير.
وكلّ إنسانٍ هو تجربةُ الكون فى إعادةِ تعريفِ نفسه، مرّةً أخرى، من خلاله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
#شفرة_الخلق
#هانى_الميهى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ






المزيد
لا تقل لا أستطيع ! بقلم سها مراد
على أنغام زمنٍ لم يعد يعاد بقلم خيرة عبدالكريم
شامتي… ودليل البراءة بقلم الكاتبة بثينة الصادق أحمد