اسم الكتاب:
شَرُّ الطَّرِيق
اسم الكاتب:
هاني الميهى
عنوان الفصل:
الانحراف الهادئ: حين يبدو كلُّ شيءٍ طبيعيًّا
متن الفصل
لم يقع الأمر دفعةً واحدة،
ولم تأتِ اللحظة التي يمكن أن أُشير إليها وأقول: هنا بدأتُ أضلّ.
بل على العكس تمامًا،
كل ما حدث أن الأشياء سارت كما ينبغي لها ـ في ظاهرها ـ
بلا صخب،
بلا إنذار،
وبلا ما يستدعي التوقف.
وهنا تكمن الخطورة.
فالطريق الذي يُخيف حقًّا
ليس ذاك الذي يُرهبك منذ بدايته،
بل الطريق الذي يمنحك شعورًا زائفًا بالأمان،
ويُقنعك أن ما يحدث طبيعي،
وأن ما تفعله لا يستحق المراجعة.
لم يكن الطريق مظلمًا،
ولا مُلتويًا على نحوٍ فَجّ،
كان مألوفًا،
يشبه أيامًا كثيرة عشتها من قبل،
ويشبه قرارات اتخذتها دون أن تترك أثرًا ظاهرًا.
لكنني أدركت لاحقًا
أن أخطر الطرق
هي تلك التي لا تُجبرك على السقوط،
بل تُدرّبك على الانزلاق.
بدايات لا تُرى
الانحراف لا يبدأ بخطيئة،
بل بتنازلٍ صغير لا يبدو مُخلًّا.
تأجيل ما كان يجب مواجهته.
تخفيف حدّة الاعتراض.
تمرير ما لا يليق بدعوى الواقعية.
أفعال لا تُدان أخلاقيًا،
ولا تُصنَّف كخطأ جسيم،
لكنها تُراكم أثرًا داخليًا لا يُلاحظ في حينه.
في البداية،
نحتفظ بمسافة بيننا وبين ما نرفضه.
ثم نُقلّص هذه المسافة قليلًا.
ثم نعتاد قربها.
إلى أن نفاجأ أننا لم نعد نميز
أين كان الرفض،
وأين بدأ القبول.
وهكذا،
لا يتغير الطريق،
بل يتغير معيارنا ونحن نسير.
الشارع: أول اختبارات التطبيع
الشارع مساحة مكشوفة لاختبار النفس.
ليس بما يحدث فيه من حوادث،
بل بما يُستدعى فينا من ردود أفعال.
تجاوز بسيط.
غضب مكتوم.
استهانة بنظام.
كلها تفاصيل يومية،
لكنها تُدرّب الإنسان على قبول ما كان يرفضه بالأمس.
مرة بعد مرة،
يصبح الخطأ مألوفًا،
ويصبح الالتزام استثناءً،
ويغدو الصبر عبئًا لا فضيلة.
وما لا ننتبه له،
أننا لا نتكيف مع الطريق،
بل نُعيد تشكيل ذواتنا لتناسبه.
العمل: حين يُعاد تعريف الصواب
في بيئة العمل،
لا يُقدَّم الانحراف في صورة خطأ،
بل في صورة مهارة.
لا يُطلب منك أن تتخلى عن مبادئك،
بل أن تكون “مرنًا”.
لا يُقال لك: تجاهل ضميرك،
بل: افهم قواعد اللعبة.
وهنا يبدأ التحول الأخطر:
حين يتغير السؤال من
“هل هذا صواب؟”
إلى
“هل هذا مُجدٍ؟”.
في اللحظة التي يُستبدل فيها المعيار الأخلاقي
بالمعيار النفعي،
لا يكون الشر في القرار ذاته،
بل في المنهج الذي يُدار به التفكير.
العلاقات: الطريق الأكثر حساسية
في العلاقات،
يكون الانحراف أهدأ،
وأعمق أثرًا.
لأننا نُسقط الحراسة
بدعوى القرب،
ونؤجل المواجهة
بدعوى الحكمة.
نسكت لا لأن السكوت صواب،
بل لأن المواجهة مُرهقة.
نتنازل لا لأننا متسامحون،
بل لأننا نبحث عن السلام المؤقت.
ومع الوقت،
تتحول التنازلات غير المُعترف بها
إلى خسائر داخلية لا تُرى.
العلاقات لا تنهار فجأة،
بل تتآكل ببطء،
حتى لا يبقى فيها ما يستحق الدفاع عنه.
الدعاء… بمعناه العميق
حين قال النبي ﷺ:
«اللهم احفظنا شرّ الطريق»
لم يكن الحديث عن خطرٍ طارئ،
بل عن مسارٍ طويل.
هذا دعاء وعي،
لا دعاء خوف.
دعاء من يدرك
أن النفس تُضلّ نفسها
حين تطمئن أكثر مما ينبغي.
فالطريق ليس خطرًا في ذاته،
إنما الخطر في الغفلة عنه.
لحظة الإدراك المتأخرة
غالبًا لا نكتشف انحرافنا
إلا حين يصبح الرجوع مكلفًا.
حين نحتاج شجاعة مضاعفة
لنعترف أننا أخطأنا المسار.
وحينها نفهم الحقيقة المؤلمة:
الطريق لم يخدعنا،
نحن من توقفنا عن المراقبة.
حقيقة لا مفر منها
شرّ الطريق
لا يكمن في الخارج،
بل في تلك النسخة منّا
التي تمشي بلا انتباه.
في اللحظة التي نتوقف فيها عن المراجعة،
عن السؤال،
عن المحاسبة الصامتة للنفس.
وحين يبدو كل شيء طبيعيًا…
تلك هي اللحظة التي تستحق الحذر.
خاتمة الفصل
الانحراف لا يُعلن عن نفسه،
بل ينتظر الاطمئنان.
ومن أراد السلامة،
فليحفظ مساره
قبل أن يلوم الطريق.
#شر_الطريق
#هاني_الميهى






المزيد
ركن على الحافه بقلم الكاتبه فاطمة هلال
حين تدار الأرواح بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
سقوط الأقنعة _الخيانة في عيون الصديق بقلم الكاتب اليمني محمد طاهر سيَّار الخميسي.