كتاب أصعب ما كُلِّفنا بقلم الكاتب هانى الميهى
الفصل السادس: قلق الأيام الطويلة
الجزء السادس
كنتُ أعلم يا صديقى أنّك لم تعد تخاف من شروق الشمس كما تخاف من امتداد النهار. تلك الساعات التى تتسع أكثر مما يجب، وتضغط عليك ببطءٍ محسوب، كأنّ الزمن نفسه يختبر قدرتك على الثبات. واليوم، وأنا أكتب لك، أدرك أنّك وصلت إلى لحظة لا بدّ أن تواجه فيها الحقيقة كما هى، لا كما تتخيلها.
إنّ القلق الذى يعلّقك بين قرارين ليس مرضًا، بل رسالة غير مكتملة. رسالة تقول لك: توقّف عن الهروب. مواجهة الذات ليست بطولة، لكنها بداية الطريق الوحيد الذى يمكن أن يُنقذك. وأعرف أنّك ستحاول كثيرًا أن تقنع نفسك بأنّ الانتظار حكمة، وأنّ تأجيل المواجهة بُعد نظر، لكنّى أقولها لك كما تُقال الحقائق المؤلمة: الانتظار الذى يفقدك معنى أيامك ليس صبرًا، بل استنزاف يتخفّى فى ثوب الفضيلة.
أنت تسير الآن فى الطريق ذاته الذى سار فيه كل من عرفوا ثقل الأيام الطويلة؛ الطريق الذى يفرض عليك أن تعترف بنقطة ضعفك لا لتستسلم لها، بل لتنتصر عليها. لا تصدّق من يخبرك أنّ الإنسان لا ينكسر. الحقيقة أنّنا جميعًا نتشقق من الداخل، لكنّ الفرق الحقيقى يظهر فى الطريقة التى نلملم بها شظايانا. هناك من يهرب من مرآته، وهناك من يجرؤ على النظر، فيكتشف أنّ الخوف لم يكن يومًا عدوّه الأكبر؛ بل كان تأجيل المواجهة.
لهذا أكتب لك اليوم، لأنّك تحتاج إلى من يذكّرك بأنّك لست وحدك فى هذه الرحلة. كل روحٍ حملت همًّا ثقيلًا شعرت بما تشعر به الآن: الغربة رغم الزحام، التعب رغم الصمت، والبحث عن نقطة ضوء لا تظهر إلا لمن أصرّ على السير. وأنت من هذا النوع النادر؛ الذى يتألم بصمت، لكنّه يواصل رغم كل التصدّعات.
تذكّر دائمًا أنّ الأيام الطويلة لم تُصنع لتخيفك، بل لتعيد ترتيبك من جديد. الأشياء التى أهملتها ستعود، والخيارات التى هربت منها ستقف أمامك بكل وضوح. ستظنّ أحيانًا أنّك لا تملك القوة لمواجهتها، لكن الحقيقة أنّ القوة ليست ما تستخدمه فى وقت المعركة، بل ما تُراكمه من صبرٍ قبلها. وهذا ما تفعله الآن دون أن تشعر.
ولذلك أقول لك: لا تجعل خوفك من المستقبل يسرق منك ما تبقّى فى يومك. أنت لا تُصلح العالم، ولا تُغيّر قوانين القدر، لكن يمكنك أن تغيّر نفسك، وهذا أعظم ما خُلقت من أجله. واعلم أنّك حين تختار أن تواجه، فإنك لا تهزم القلق فقط، بل تهزم الصورة القديمة منك؛ تلك التى عاشت طويلًا تحت رحمة الانتظار.
وكلّما شعرت أنّك على وشك السقوط، تذكّر أنّ السقوط ليس نهاية، بل امتحان لصلابة الجذور التى لم ترَها يومًا. أنت أقوى مما خيّلوك، وأعمق مما تخيّلت نفسك. الأيام الطويلة ليست لعنة، بل معمل صامت يُصنع فيه الإنسان من جديد، فاثبت… لأنّ الاستسلام هنا يشبه التنازل عن حقك فى أن تكون أنت.
الرسالة:
لا تخشَ طول الطريق؛ فالأيام التى تُتعبك هى نفسها الأيام التى تُربّيك، وما تخاف مواجهته اليوم سيصبح غدًا دليل قوتك لا سبب ضعفك.
#أصعبماكُلِّفنا
#هانى_الميهى






المزيد
الأمل الجديد ! بقلم سها مراد
بين الضجيج والصمت بقلم الكاتب هانى الميهى
مش مهم بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر