كتاب أصعب ما كُلِّفنا بقلم الكاتب هانى الميهى
الفصل السابع: اختبارات بلا إعلان
الجزء الأول
كان هناك دائمًا ما يشبه العلامات الخفية التى تمرُّ أمام العين دون أن تُلفت الانتباه، ثم يتضح لاحقًا أنّها كانت إشارات مبكرة لشىء أكبر سيحدث. فالاختبارات الحقيقية لا تُعلن عن نفسها، ولا تمنح الإنسان مهلةً ليستعد، بل تنقضُّ على يومه فى أكثر لحظاته ازدحامًا، وكأنّ الحياة تتعمّد أن تمتحن قدرته وهو منشغل بترتيب أبسط تفاصيله.
وحين يتساءل المرء: لماذا تأتى الاختبارات بلا سابق إنذار؟
فإن الإجابة ليست فى قسوة الحياة، بل فى دقّتها. فالإنذار المسبق قد يُضعف الدرس، ويجعل الإنسان يستعد بما يعرفه، بينما الاختبار الحقيقى يقيس ما هو أعمق، ما ترسّخ داخله دون أن يشعر، وما تشكّل فى روحه عبر تجاربه المتراكمة. ولهذا، حين تسقط عليه لحظة صعبة دون مقدّمات، يواجه نفسه كما هى، لا كما خطّط لها.
إنّ أصعب ما فى هذه الاختبارات أنّها تبدو فى ظاهرها عادية، كأنّها جزء من روتين اليوم، لكن ما يرافقها من ثقل داخلى يكشف أنّها أبعد من ذلك بكثير. فهناك لحظات تضع الإنسان أمام خيارات لا يملك رفاهية التفكير فيها طويلًا؛ إمّا أن ينهض، أو يتركها تجرّه نحو الهزيمة. وهنا يظهر الفرق بين من اكتسب الصبر دون أن يشعر، ومن ظنّ أنّ الصبر مجرد انتظار.
هذه الاختبارات غير المعلنة تصنع داخل الروح قدرة لا يلاحظها الإنسان إلا بعد أن يعبر المحنة. يكتشف أنّ شيئًا فيه تغيّر، وأنّ صلابة تشكّلت دون ضجيج، وأنّ قلبه الذى ظنّه هشًّا استطاع أن يحتمل ما لم يكن يتخيّله. وربما يكون هذا هو سرّ هذه الاختبارات: أنّها تُصنع فى الخفاء، وتُهذب فى الصمت، وتُكمل تكوين الإنسان دون أن تُصدر صوتًا.
وما إن ينتهى أحد هذه الامتحانات المفاجئة، حتى يدرك الإنسان أنّه لم يعد كما كان، وأنّ الحكمة التى كان يبحث عنها فى الكتب والحوارات، تتسلل إليه من أماكن لم يتوقعها. فالحياة تُدرّس دروسها الكبرى فى اللحظة التى ينشغل فيها عن طلبها، وتسدّد ضربة خفيفة على قلبه ليستفيق دون أن يتحطّم.
وهكذا يتبيّن أنّ الاختبارات بلا إعلان ليست ضربات قدر، بل رسائل موجّهة، تؤكّد أنّ كل خطوة فى الطريق تُهيّئ الروح لخطوات أكبر تنتظرها. وما يبدو مفاجئًا هو فى جوهره جزء من مسار صامت، يربط ما كان بما سيكون، ويعيد ترتيب الإنسان من الداخل ببطء لا يلاحظه إلا بعد أن يعبر الألم.
الرسالة:
الاختبارات التى لا تُعلن عن نفسها تُظهر حقيقتك، وتكشف ما تراكم فيك من قوة دون أن تشعر. وما يأتى بلا مقدّمات يحمل أعظم الدروس.
#أصعبماكُلِّفنا
#هانى_الميهى






المزيد
الأمل الجديد ! بقلم سها مراد
بين الضجيج والصمت بقلم الكاتب هانى الميهى
مش مهم بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر