مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

رماد البلاد وصوت البشر بقلم الطاهر عبد المحسن ابراهيم

رماد البلاد وصوت البشر بقلم الطاهر عبد المحسن ابراهيم

مقدمة الكتاب

 

في بلادٍ كانت تُزهِر من ضحكة طفل أصبحت الرياح وحدها تُمشط شوارعها الخالية.

في السودان حيث تعلمت البيوت معنى الصبر وحيث كان النيل يوزع الطمأنينة بالتساوي اندفعت الحرب كعاصفة عمياء فكسرت كل شيء جدران البيوت، أسرّة النوم، أبواب المدارس، وحتى القلوب التي لم تتعلم سوى المحبة.

لم تعد الخرائط تشبه الخرائط لم تعد الأزقة تعرف أصحابها.

وأصبح صوت البشر أعلى من صوت الرصاص ليس لأنه أقوى، بل لأنه الأكثر إصرارًا على البقاء.

هذا الكتاب ليس عن السياسة

إنه عن الناس!

عن الذين خرجوا ولم يعودوا والذين عادوا ولم يجدوا شيئًا يعودون إليه.

عن وجوهٍ تفتحت فيها التجاعيد قبل أوانها وأحلامٍ هربت من أصحابها لأنها خافت هي أيضًا.

هنا في رماد البلاد وصوت البشر أحكي ما يجري في السودان اليوم ليس كما تخبر نشرات الأخبار بل كما يراه القلب حين يمشي فوق الرماد ويستمع إلى النداء الأخير للبشر.

ثم الشكر مقدم لمجلة أيفرست على العطاء والوقفه الجميلة التى هي من شيم إدارتها في دعم هذه المواهب

وشكر خاص للإستاذة علياء فتحى لما وجدناهُ من دعم وتحفيز في هذه المجلة

الفصل الاول

البيت الذي حملناه على ظهورنا

 

كانت أمّ وليد تعرف أن الحرب تقترب من حيِّهم، لكنها لم تتوقع أن تسرق منهم كل شيء في ليلة واحدة.

في مساء ذلك اليوم، كانت تجلس أمام الباب، تراقب الشارع الذي لم يعد يشبه شارعهم.

الوجوه متعبة الأصوات متقطعة والقلوب مقطوعة من الحزن قبل الخوف.

وحين بدأ الرصاص ينهال كالمطر أمسكت بأطفالها الثلاثة وليد، سارة ومعتصم.

ركضت بهم كما لم تركض يومًا في حياتها.

كانت تحمل حقيبة صغيرة فيها قميصان قديمان وصورة لزوجها الذي فُقِد قبل أشهر ومصحف كانت تحفظه منذ طفولتها.

لكن حين وصلوا إلى الشارع الرئيسي أدركت أن الحقيبة ليست أهم ما ينبغي حمله.

التفتت نحو بيتها ذلك البيت الذي بَنَوه بالكد بالعرق وبالضحك الحلو الذي يشبه رائحة الطين بعد المطر.

رأت السقف مهددًا بالسقوط ورأت النوافذ المكسورة ورأت نفسها داخله قبل الحرب تضحك، تطبخ ترتب تخاصم تُصالح وتعيش.

البيت كان أكثر من مكان

كان عمرًا كاملًا.

لكن الرصاص كان يقترب والأطفال يبكون.

ففعلت ما لم تتصور يومًا أنها ستفعله أدرات ظهرها ورحلت.

وأثناء سيرها بين الحشود الهاربة أدركت أمّ وليد الحقيقة التي تمزق الروح

بعض البيوت لا نهجرها بل نحملها على ظهورنا.

نحملها في صوتنا حين نشتاق وفي دمعتنا حين نتذكر وفي قلبنا حين لا نستطيع النظر خلفنا.

في تلك الليلة نام أطفالها على الأرض داخل مدرسة تحولت إلى مركز نزوح لكنها لم تنم.

كانت تستمع لصوت المدينة وهي تبكيووتهمس لنفسها

سنعمر من جديد حتى لو بدأنا من حجر واحد.