مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

قيد الروح بقلم أمجد حسن الحاج 

قيد الروح بقلم أمجد حسن الحاج

 

تتجسد في هذا الكادر الصامت حكاية أليمة تنسج خيوطها بين هشاشة الكائن وقسوة القيد. يقف العصفور، الكائن الفطري الذي خُلق للطيران والانطلاق، جاثمًا على قطعة خشبية باردة، وكأنها منصة حكم لا منطلق إقلاع. تكسو ريشه لوحة من البنيات والرماديات الشاحبة، لكن هذا الريش، الذي طالما كان رمزًا للحرية، أصبح الآن سجنًا يكتنفه ويخنقه.

تلتف حول جسده الصغير حبال سميكة، ليست خيوطًا واهية، بل أغلال محكمة منسوجة بفتل خشن، تضغط على صدره وتكاد تطمس معالم جسده النحيل. إنها تشدّ الأجنحة بقوة، تلك الأجنحة التي اختزنت في طياتها ميثاق العهد بينه وبين السماء. يُرى العنق مثنيًا بتواضع يكاد يكون استسلامًا، بينما تظل العينان، وهما نقطتا الحياة الوحيدتان في اللوحة، شاخصتين للأمام، تحملان نظرة عميقة تفيض بالأسى والمكابرة. ليست نظرة استجداء، بل تعبير صامت عن الفهم المرير لواقع سُلبت فيه أبسط الحقوق.

إن وضعية العصفور على هذا اللوح المعزول تزيد المشهد قتامة؛ إنه ليس في عش دافئ، ولا على غصن مورق، بل على حافة مستقيمة وخالية، رمزًا للعزلة والانفصال عن محيطه الطبيعي. تبدو مخالبه متشبثة بالخشب، في محاولة أخيرة للثبات على أرضية ما، حتى وإن كانت أرضية القيد. ويبرز من خلف الحبال، عند مؤخرة العنق، عدد قليل من الريش المنتفض، كأنه صرخة خفية أو محاولة يائسة للإفلات من الطوق الذي يلفه.

هذه ليست مجرد صورة لطائر مُقيَّد، بل هي استعارة بصرية قوية تجسد معاناة الإنسان مع القيود الخفية: قيود الخوف، قيود الروتين القاتل، قيود العادات الموروثة، أو حتى قيود الأفكار المسبقة التي تمنع الروح من التحليق نحو فضاء الإبداع والتحرر. إنها تساؤل مرير يُلقى في وجه المتأمل: هل يستطيع الجمال، مهما كان طبيعيًا وأصيلًا، أن يتحرر من قبضة العسف الذي تفرضه الظروف أو تفرضه أياد خفية؟

في سكون اللوحة ورتابة الخلفية، يتركز كامل المعنى على هذا التناقض الفاجع بين طبيعة التحليق وواقع التكبيل. وتبقى الحبال شاهدة على أن أثقل الأغلال ليست دائمًا من الحديد، بل قد تكون من خيوط متشابكة لا تراها الأعين إلا بعد أن تلتف حول الصدر وتمنع التنفس العميق. هو انتظار حزين لفك وثاق، أو ربما تبلد شعور بعد طول مدة في سجن غير مرئي.